| | #1 | |||||||||
![]()
| يا أنت… إن القدر أتى يا أنت… إن القدر أتى، يبحث عنك. خَيَّم الصمت، وارتدَّ الصخب، وسيهتف الجميع: يا رب… ستذهب. سيأتيك الموت ذات يوم، موعدك مكتوب، لا يتقدم، ولا يتأخر. ستنتهي رحلتك، وستضع قدميك آخر الطريق، ذلك الطريق الذي كنت تمشيه وحدك، وتخفي تعبك عن الجميع. دعني أعانقك… دعني أصارحك بما لم أقله لك وأنت حي. دعني في مكانك، أرافق حزنك، أرافق خوفك، أرافق آخر نظرة في عينيك، وأرافقك أنت… لا تسألني إلى أين. فأنا أعرف الطريق. دعني أعطرك، دعني أبللك، دعني أغسلك من تعب السنين، دعني أكون كفنك، وأستر جسدًا أتعبه المرض، وأحمل عنك ما استطعت من ثقل الرحيل. غادر… ودعهم. دعني أنتحب. دعني أقاتل الصخب، وأصرخ في وجوه الذين لم يفهموا تعبك، في الذين ظنوا أن صمتك راحة، وأن ابتسامتك دليل عافية، وأن قولك "أنا بخير" كان حقيقة. لم يعرفوا أنك كنت تكذب عليهم، كي لا تقلقهم. ولم يعرفوا أنك كنت تخفي ألمك، لأنك سئمت من شرح الألم. كنت تقول: لا شيء. وفي داخلك كانت أشياء كثيرة. كانت ليالٍ طويلة، كانت أسئلة لا تنام، وكان خوفٌ يجلس إلى جوارك كلما أطفأت النور. كنت تنظر إلى السقف، وتسأل نفسك: كم بقي لي؟ ولا تجد جوابًا. فتغمض عينيك، ثم تفتحهما من جديد، وكأنك كنت تخاف أن يكون النوم آخر شيء تفعله. يا أنت… كم مرة قلت إنك بخير وقلبك كان يرتجف؟ كم مرة ضحكت وأنت تريد أن تبكي؟ كم مرة جلست بين الناس وأنت تشعر أنك أبعد إنسان عنهم؟ كم مرة تمنيت أن يسألك أحد بصدق: "ماذا يحدث لك؟" لا "كيف حالك؟" لأنك كنت تعرف أن السؤال الأول قد يفتح بابًا من الحزن لن تستطيع إغلاقه. يا أنت… أنا أعرف أنك تعبت. أعرف أنك لم تكن تخاف من الألم وحده. كنت تخاف من أن يستمر. تخاف أن يصبح المرض حياتك كلها. تخاف أن تنسى كيف كنت قبل أن تصبح مريضًا. تخاف أن يأتي يوم لا تتذكر فيه نفسك القديمة إلا من خلال صور بعيدة. وتخاف أكثر من أن يعتاد الناس غيابك كما اعتادوا وجودك. بعد رحيلك، سيعود البيت هادئًا. سيجلسون في الأماكن نفسها. ستُفتح الأبواب وتُغلق. سيأتي الصباح، وستشرق الشمس كعادتها، وكأن شيئًا لم يحدث. وهذه هي قسوة الموت… أن العالم لا يتوقف عندما يرحل أحد. الشارع يبقى مزدحمًا. المحلات تفتح أبوابها. الناس تضحك. الأطفال يركضون. والحياة تستمر… بينما هناك قلبٌ واحد في مكان ما لا يزال يبحث عنك. سيضعون صورك في هواتفهم، ثم يعودون إليها بعد أشهر، بعد سنوات، ويقول أحدهم: "كان هنا." كلمة صغيرة… لكنها قادرة على هدم قلب كامل. كان هنا. كان يضحك هنا. كان يجلس هنا. كان يتحدث معنا. كان يشتكي من ألمه. كان يقول إنه متعب. وكان ينبغي أن نصغي إليه أكثر. يا أنت… لو كنت أعرف أن تلك الكلمات ستكون الأخيرة، لما سمحت لك أن ترحل وأنت تحمل كل ذلك وحدك. كنت سأجلس بجانبك. لن أنصحك. لن أقول لك كن قويًا. كنت سأصمت فقط. وأتركك تتكلم. قل كل شيء. قل إنك خائف. قل إنك تعبت. قل إنك لا تعرف ماذا ينتظرك. قل إنك تريد أن تعيش حياة طبيعية. قل إنك اشتقت إلى نفسك القديمة. قل إن المرض سرق منك أشياء كثيرة. قلها كلها… ولا تخجل. فليس عيبًا أن يتعب الإنسان. وليس عيبًا أن يخاف. وليس عيبًا أن يبكي. العيب أن يترك الإنسان وجعه يكبر في داخله حتى يصبح صمته قبرًا قبل أن يأتي الموت. يا أنت… لا أريد أن أراك مجرد اسم في ذاكرة أحد. ولا أريد أن تصبح قصتك صورة معلقة على جدار. أريد أن تبقى تلك الروح التي قاومت، ذلك الإنسان الذي رغم التعب كان يحاول أن يبتسم. وإذا جاء يوم الرحيل، فليأتِ بعد أن تكون قد قلت كل ما في قلبك. بعد أن تكون قد سامحت من استطعت. وبعد أن تكون قد قلت لمن تحب: كنت أحبكم… لكنني كنت متعبًا. متعبًا أكثر مما أظهرت. وعندما يأتي موعدك، لا تجعل الناس يتذكرون مرضك فقط. دعهم يتذكرون أنك كنت إنسانًا. لك قلب. لك خوف. لك أحلام صغيرة. لك أيام كنت تضحك فيها من قلبك. ولك أيام كنت تبكي فيها وحدك. دعهم يعرفون أنك لم تكن ضعيفًا. كنت فقط تحمل فوق طاقتك. يا أنت… إن القدر أتى يبحث عنك، لكن ما دام الباب لم يُغلق بعد، فلا يزال هناك وقت للكلام. للبكاء. للحضن. للاعتذار. للسلام. ولأن تقول: أنا متعب… ساعدوني فقط على أن أحمل هذا اليوم. أما الغد… فله ربٌّ يدبّره. دع الموت ينتظر موعده. ولا تستعجل أنت الوصول إليه. عِش ما بقي من الطريق، حتى لو كان الطريق ثقيلًا. ابكِ إن احتجت. تكلم إن استطعت. واصرخ إن ضاق صدرك. لكن لا تحمل وحدك كل هذا الحزن. فبعض الأرواح لا تحتاج إلى نهاية… إنما تحتاج إلى من يجلس بجانبها ويقول لها: أنا هنا. تكلم… لن أترك حزنك وحده. | |||||||||
|
| |
![]() | أصدقاء منتدى مسك الغلا | | |||||