منتديات مسك الغلا | al2la.com
 


موضوع مُغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-01-17, 03:55 AM   #19
مجرد إنسان

آخر زيارة »  03-07-18 (05:44 AM)
المكان »  المدينة المنورة
الهوايه »  الرسم - كتابة الخواطر

 الأوسمة و جوائز

افتراضي






تابع قصة صالح عليه السلام


ولهذا قال صالح عليه السلام:

{ هذه ناقة الله لكم آية } (سورة هود:64)

أضافها إليه سبحانه وتعالى إضافة تشريف وتعظيم، كقوله: بيت الله وعبد الله (لكم آية)

أي: دليلاً على صدق ما جئتكم به

{ فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب } (سورة هود:64)

فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم، ترعى حيث شاءت من أرضهم، وترد الماء يوماً بعد يوم، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم، ويقال: إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم،

ولهذا :

{ لها شراب ولكم شرب يوم معلوم } (سورة الشعراء:155)

ولهذا :

{ إنا مرسلو الناقة فتنة لهم } (سورة القمر:27)

أي: اختباراً لهم، أيؤمنون بها أم يكفرون؟ والله أعلم بما يفعلون: (فارتقبهم) أي: انتظر ما يكون من أمرهم (واصطبر) على آذاهم فسيأتيك الخبر على جلية

{ ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر } (سورة القمر:28)

فلما طال عليهم هذا الحال اجتمع علماؤهم، واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة؛ ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، وسول لهم، وأملى لهم.

:

{ فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين } (سورة الأعراف:77)

وكان الذي تولى قتلها منهم رئيسهم: قدار بن سالف بن جندع، وكان أحمر أزرق أصهب. وكان يقال إنه ولد زنية ولد علي فراش سالف، وهو من رجل يقال له صبان. وكان فعله ذلك باتفاق جميعهم، فلهذا نسب الفعل إليهم كلهم.

وذكر ابن جرير وغيره من المفسرين: أن امرأتين من ثمود اسم أحدهما: "صدوق" ابنة الحيا بن زهير بن المختار، وكانت ذات حسب ومال، وكانت تحت رجل من أسم ففارقته، فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة، واسم الأخرى: "عنيزة" بنت غنم بن مجلز، وتكني: أم غنيمة، وكانت عجوزاً كافرة، لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو أحد الرؤساء، فعرضت بناتها الأربع على قدار بن سالف؛ إن هو عقر الناقة فله أي بناتها شاء، فانتدب هذا الشابان لعقرها وسعوا في قومهم بذلك فاستجاب لهم سبعة آخرون فصاروا تسعة، وهم المذكورون

في قوله تعالى:

{ وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون } (سورة النمل:48)

وسعوا في بقية القبيلة وحسنوا لهم عقرها، فأجابوهم إلي ذلك وطاوعوهم في ذلك، فانطلقوا يرصدون الناقة، فلما صدرت من وردها كمن لها "مصرع" فرماها بسهم فانتظم عظم ساقها، وجاء النساء يذمرن القبيلة في قتلها، وحسرن عن وجهن ترغيباً لهم في ذلك فابتدرهم قدار بن سالف، فشد عليها بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة على الأرض، ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها، ثم طعن في لبتها فنحرها، وانطلق سقبها ـ وهو فصيلها ـ فصعد جبلاً منيعاً، ورغا ثلاثاً.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع الحسن أنه قال: يا رب أين أمي؟ ثم دخل في صخرة فغاب فيها. ويقال: بل اتبعوه فعقروه أيضاً.

:

{ فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر * فكيف كان عذابي ونذر } (سورة القمر:29ـ30)

و:

{ إذا انبعث أشقاها * فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها } (سورة الشمس:12ـ13)

أي: احذروها

{ فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها } (سورة الشمس:14ـ15)

قال الإمام احمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا هشام ـ هو أبو عروة ـ عن أبيه عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: (إذا انبعثت أشقاها) انبعث لها رجل عارم عزيز متيع في رهطه مثل أبي زمعة"

أخرجاه من حديث هشام به. عارم: أي شهم. عزيز: أي رئيس. منيع: أي مطاع في قومه.

وقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن محمد بن خثيم، عن محمد بن كعب، عن محمد بن خثيم بن يزيد، عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: "ألا أحدثك بأشقى الناس"؟ قال: بلى، قال: "رجلان: أحدهما أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا ـ يعني قرنه ـ حتى تبتل منه هذه ـ يعني لحيته ـ". رواه ابن أبي حاتم

و:

{ فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين } (سورة الأعراف:77)

فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه:

منها: أنهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الأكيد في عقر الناقة؛ التي جعلها الله لهم آية. ومنها: أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم، فاستحقوه من وجهيه: أحدهما:

الشرط عليهم في قوله:

{ ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب } (سورة هود:64)

وفي آية:

{ عظيم } (سورة الشعراء:156)

وفي الأخرى:

{ أليم } (سورة الأعراف:73)

والكل حق. والثاني: استعجالهم على ذلك.

ومنها: أنهم كذبوا الرسول الذي قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه، وهم يعلمون ذلك علماً جازماً، ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد على استبعاد الحق ووقوع العذاب بهم.

قال الله تعالى:

{ فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيامٍ، ذلك وعد غير مكذوبٍ } (سورة هود:65)

وذكروا أنهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا عليها قدار بن سالف ـ لعنه الله ـ فعرقبها فسقطت إلي الأرض، ثم ابتدروها بأسيافهم يطعونها، فلما عاين ذلك سبقها ـ وهو ولدها ـ شرد عنهم فعلا أعلى الجبل هناك، ورغا ثلاث مرات.
فلهذا قال لهم صالح: (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) أي: غير يومهم ذلك، فلم يصدقوه أيضاً في هذا الوعد الأكيد، بل لما أمسوا هموا بقتله وأرادوا ـ فيما يزعمون ـ أن يلحقوه بالناقة. (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله)

أي: لنكبسنه في داره مع أهله فلنقتلنه، ثم لنجحدن قتله، ولننكرن ذلك، إن طالبنا أولياؤه بدمه،

ولهذا قالوا:

{ ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون } (سورة النمل:49)

:

{ ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين * فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا، إن في ذلك لآية لقوم يعلمون * وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } (سورة النمل:50ـ53)


وذلك أن الله تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم فأهلكهم سلفاً وتعجيلاً قبل قومهم، وأصبحت ثمود يوم الخميس ـ وهو اليوم الأول من أيام النظرة ـ ووجوههم مصفرة؛ كما أنذرهم صالح عليه السلام، فلما أمسوا نادوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل، ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ـ ووجوههم محمرة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى يومان من الأجل، ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ـ ووجوههم مسودة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى الأجل. فلما كان صبيحة يوم الأحد تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحل بهم من العذاب والنكال والنقمة لا يدرون كيف يفعل بهم‍ ولا من أي جهة تأتيهم العذاب.

فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح، وزهقت النفوس، وسكنت الحركات، وخشعت الأصوات، وحقت الحقائق، فأصبحوا في دارهم جائمين، جثثاً لا أرواح فيها ولا حراك بها، قالوا: ولم يبق منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة واسمها "كلبة" ابنة السلق ـ ويقال لها الذريعة ـ وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح عليه السلام، فلما رأت العذاب أطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء، فأتت حيا من العرب فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها واستسقتهم ماء، فلما شربت ماتت.



 


قديم 03-01-17, 03:56 AM   #20
مجرد إنسان

آخر زيارة »  03-07-18 (05:44 AM)
المكان »  المدينة المنورة
الهوايه »  الرسم - كتابة الخواطر

 الأوسمة و جوائز

افتراضي






أخر قصة صالح عليه السلام


قال الله تعالى: (كأن لم يغنوا فيها)

أي: لم يقيموا فيها من سعة ورزق وغناء

{ ألا أن ثمود كفروا ربهم ألا بعداً لثمود } (سورة هود:68)

أي: نادى عليهم لسان القدر بهذا.

قال الإمام احمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: "لا تسألوا الآيات وقد سألها قوم صالح، فكانت ـ يعني الناقة ـ ترد من هذا الفج تصدر من هذا الفج، فعتوا على أمر ربهم فعقروها، فكانت تشرب ماءهم يوماً ويشربون لبنها يوماً، فعرقوها فأخذتهم صيحة أهمد الله عز وجل بها من تحت أديم السماء منهم إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله عز وجل" فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: "هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه".

وهذا الحديث على شرط مسلم، وليس هو في شيء من الكتب الستة، والله أعلم.

وقد قال عبد الرزاق أيضاً: قال معمر: أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أبي رغال، فقال: "أتدرون من هذا؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا قبر أبي رغال؛ رجل من ثمود، كان في حرم الله منعه حرم الله من عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن هاهنا، ودفن معه غصن من ذهب، فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم، فجثوا عليه فاستخرجوا الغصن"

قال عبد الرزاق: قال معمر: قال الزهري: أبو رغال أبو ثقيف. هذا مرسل من هذا الوجه.

وقال جاء من وجه آخر متصلاً كما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة عن إسماعيل ابن أمية عن بجير بن أبي بجير، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجنا معه إلي الطائف، فمررنا بقبر؛ فقال: "إن هذا قبر أبي زغال وهو أبو ثقيف؛ وكان من ثمود؛ وكان بهذا الحرم يدفع عنه؛ فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه" فابتدره الناس فاستخرجوا من الغصن. وهكذا رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق به.

قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله: هذا حديث حسن عزيز.

قلت: تفرد به بجير بن أبي بجير هذا، ولا يعرف إلا بهذا الحديث، ولم يرو عنه سوى إسماعيل بن أمية، قال شيخنا:

فيحتمل أنه وهم في رفعه، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمر من زاملتيه. والله أعلم.

قلت: لكن في المرسل الذي قبله، وفي حديث جابر، شاهد له، والله أعلم.

وقوله تعالى:

{ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين } (سورة القمر:29ـ30)

إخبار عن صالح عليه السلام، أنه خاطب قومه بعد هلاكهم، وقد أخذ في الذهاب عن محلتهم إلي غيرها

قائلاً لهم: (يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم)

أي: جهدت في هديتكم بكل ما أمكنني، وحرصت على ذلك بقولي وفعلي ونيتي.

(ولكن لا تحبون الناصحين)

أي: لم تكن سجاياكم تقبل الحق ولا تريده، فلهذا صرتم إلي ما أنتم فيه من العذاب الأليم، المستمر بكل المتصل إلي الأبد، وليس لي فيكم حيلة ولا لي بالدفع عنكم يدان، والذي وجب علي من أداء الرسالة والنصح لكم قد فعلته وبذلته لكم، ولكن الله يفعل ما يريد.

وهكذا خطب النبي صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر بعد ثلاث ليال؛ وقف عليهم، وقد ركب راحلته، وأمر بالرحيل من آخر الليل، فقال: "يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا" وقال لهم فيما قال: "بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم".

فقال له عمر: يا رسول الله تخاطب أقواماً قد جيفوا؟ فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يجيبون". وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله

ويقال: إن صالحاً ـ عليه السلام ـ انتقل إلي حرم الله، فأقام به حتى مات.

قال الإمام احمد: حدثنا وكيع، وحدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بوادي عسفان حين حج قال: "يا أبا بكر أي واد هذا؟" قال: وادي عسفان، قال: "لقد مر به هود وصالح عليهما السلام على بكرات خطمها الليف، أزرهم العباء، وأرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق". إسناد حسن



 


قديم 03-01-17, 03:58 AM   #21
مجرد إنسان

آخر زيارة »  03-07-18 (05:44 AM)
المكان »  المدينة المنورة
الهوايه »  الرسم - كتابة الخواطر

 الأوسمة و جوائز

افتراضي






قصة الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام


هو إبراهيم بن تارخ/ بن باحور/ بن ساروغ/ بن راعو

250/ 148/ 230/ 239

ابن فالغ/ بن عابر/ بن شالخ/ بن أرفخشذ

439/ 464/ 433/ 438

ابن سام/ بن نوح عليه السلام

600

هذا نص أهل الكتاب في كتابهم؛ وقد أعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهندي كما ذكروه من المدد، وقدمنا الكلام على عمر نوح عليه السلام فأغنى عن إعادته. وحكى الحافظ أن عساكر في ترجمة إبراهيم الخليل من تاريخه عن إسحاق بن بشر الكاهلي صاحب كتاب "المبتدأ" أن اسم أم إبراهيم "أميلة"، ثم أورد عنه في خبر ولادتها له حكاية طويلة. وقال الكلبي: اسمها "بونا" بنت كربتا بن كرلي، ومن بني أرفخشذ بن سام بن نوح.

وروى ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة أنه قال: كان إبراهيم عليه السلام يكنى "أبا الضيفان".

قالوا: ولما كان عمر تارخ خمساً وسبعين سنة ولد له إبراهيم عليه السلام، وناحور وهاران، وولد لهاران "لوط".

وعندهم أن إبراهيم عليه السلام هو الأوسط، وأن هاران مات في حياة أبيه في أرضه التي ولد فيها، وهي أرض الكلدانيين؛ يعنون أرض بابل.

وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ والأخبار، وصحح ذلك الحافظ ابن عساكر، بعدما روى من طريق هشام بن عمار، عن الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن ابن عباس قال: ولد إبراهيم بغوطة دمشق، في قرية يقال لها: برزة، في جبل يقال له: قاسيون،

ثم قال: والصحيح أنه ولد ببابل. وإنما نسب إليه هذا المقام لأنه صلى فيه إذ جاء معيناً للوط عليه السلام.

قالوا: فتزوج إبراهيم سارة، وناحور ابنة هاران، يعنون ابنة أخيه.

قالوا: وكانت سارة عاقراً لا تلد.

قالوا: وانطلق تارخ بابنه إبراهيم وامرأته سارة وابن أخيه لوط بن هاران فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلي أرض الكنعانيين، فنزلوا حران فمات فيها تارخ وله مائتان وخمس ستين، وهذا يدل على أنه لم يولد بحران، وإنما مولده بأرض الكلدانيين وهي أرض بابل وما والاها.

ثم ارتحلوا قاصدين أرض الكنعانيين، وهي بلاد بيت المقدس، فأقاموا بحران وهي أرض الكلدانيين في ذلك الزمان، وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضاً، وكانوا يعبدون الكواكب السبعة. والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين، يستقبلون القطب الشمالي ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفعال والمقال. ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق السبعة القديمة هيكل لكوكب منها، ويعملون لها أعياداً وقرابين.

وهكذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والأصنام، وكل من على وجه الأرض كانوا كفاراً، سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط عليهم السلام. وكان الخليل عليه السلام هو الذي أزال الله به تلك الشرور، وأبطل به ذاك الضلال؛ فإن الله سبحانه وتعالى آتاه رشده في صغره، وابتعثه رسولاً واتخذه خليلاً في كبره.


قال الله تعالى:

{ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين } (سورة الأنبياء:51)

أي: وكان أهلاً لذلك.

و:

{ وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه، ذلكم إن كنتم تعلمون * إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون * وإن تكذبون فقد كذب أمم من قبلكم، وما على الرسول إلا البلاغ المبين * أو لم يروا كيف يبدي الله الخلق ثم يعيده، إن ذلك على الله يسير * قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق، ثم الله ينشئ النشأة الآخرة، إن الله على كل شيء قدير * يعذب من يشاء ويرحمن من يشاء، وإليه تقلبون * وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير * والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون * وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ومأواكم النار وما لكم من ناصرين * فآمن له لوط، وقال إني مهاجر إلي ربي، إنه هو العزيز الحكيم * ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين } (سورة العنكبوت:16ـ27)


ثم ذكر تعالى مناظرته لأبيه وقومه كما سنذكره إن شاء الله. وكان أول دعوته لأبيه، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام، لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له،


كما :

{ واذكر في الكتاب إبراهيم، إنه كان صديقاً نبياً * إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً * يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهديك صراطاً سوياً * يا أبت لا تعبد الشيطان، إن الشيطان كان للرحمن عصياً * يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً * قال أرغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم، لئن لم تنته لأرجمنك، واهجرني مليا * قال سلام عليك سأستغفر لك ربي، إنه كان بي حفيا * وأعتزلكم ما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا } (سورة مريم:41ـ48)


وذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة، وكيف دعا أباه إلي الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة، وبين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئاً أو تفعل به خيراً من رزق أو نصر؟ ثم قال له منبهاً على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع،

وإن كان أصغر سناً من أبيه:

{ يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهديك صراطاً سوياً } (سورة مريم:43)



 


قديم 03-01-17, 03:59 AM   #22
مجرد إنسان

آخر زيارة »  03-07-18 (05:44 AM)
المكان »  المدينة المنورة
الهوايه »  الرسم - كتابة الخواطر

 الأوسمة و جوائز

افتراضي






تابع قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام


أي: مستقيماً واضحاً حنيفاً يفضي بك إلي الخير في دنياك وأخراك. فلما عرض هذا الرشد عليه، وأهدى هذه النصيحة إليه، لم يقبلها منه ولا أخذها عنه، بل تهدده وتوعده قال: (قال أرغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم؟ لئن لم تنته لأرجمنك) قيل: بالمقال، وقيل: بالفعال،

{ واهجرني ملياً } (سورة مريم:46)

أي: واقطعني وأطل هجراني.

فعندها قال له إبراهيم: (سلام عليك) أي: لا يصلك مني مكروه، ولا ينالك مني أذى، بل أنت سالم من ناحيتي،

وزاده خيراً فقال:

{ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً } (سورة مريم:47)

قال ابن عباس وغيره: أي لطيفاً، يعني في أن هداني لعبادته والإخلاص له،

ولهذا قال:

{ وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وادعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً } (سورة مريم:48)

وقد استغفر له إبراهيم عليه السلام كما وعده في أدعيته، فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه

كما :

{ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدةٍ وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، إن إبراهيم لأواه حليم } (سورة التوبة:114)

وقال البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني أخي عبد الحميد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يلقي إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذبح متلطخ، فيؤخذ بقوائمة فيلقى في النار"


وقال في التفسير: وقال إبراهيم بن طهمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة. وهكذا رواه النسائي عن احمد بن حفص بن عبد الله، عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان به، وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وفي سياقه غرابة.

ورواه أيضاً من حديث قتادة عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.


و:

{ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتحذ أصناماً آلهةً، إني أراك وقومك في ضلال مبين } (سورة الأنعام:74)

هذا يدل على أن اسم أبي إبراهيم آزر، وجمهور أهلالنسب، منهم ابن عباس، على أناسمأبيه تارخ، وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة، فقيل: إنه لقب بصنم كان يعبده اسمه آزر. وقال ابن جرير: الصواب أن اسمه آزر، ولعل له اسمان علمان، او أحدهما لقب والآخر علم. وهذا الذي قاله محتمل. والله أعلم.


ثم :

{ وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكباً، قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي، فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر، فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين * وحاجة قومه، قال أتحاجوني في الله وقد هدان، ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي وسع ربي كل شيء علماً، أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحق بالأمن، إن كنتم تعلمون * الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن، وهم مهتدون * وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه، نرفع درجات من نشاء، إن ربك حكيم عليم } (سورة الأنعام:75ـ83)


وهذا المقام مقام مناظرة لقومه، وبيان لهم أن هذا الأجرام المشاهدة من الكواكب النيرة، لا تصلح للألوهية، ولا أن تعبد مع الله عز وجل؛ لأنها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة، تطلع تارة وتأفل أخرى، فتغيب عن هذا العالم، والرب تعالى لا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافيه، بل هو الدائم الباقي بلا زوال، لا إله ألا الله هو ولا رب سواه.

فبين لهم أولاً عدم صلاحية الكواكب لذلك، قيل: هو الزهرة؛ ثم ترقى منها إلى القمر الذي هو أَضوأ منها وأبهى من حسنها، ثم ترقى إلي الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهدة ضياء وسناء وبهاء، فبين أنها مسخرة مسيرة مقدرة مربوبة،

كما :

{ ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون } (سورة فصلت:37)

ولهذا قال: فلما رأى الشمس بازغة أي: طالعة

{ قال هذا ربي هذا أكبر، فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين * وحاجة قومه، قال أتحاجوني في الله وقد هدان، ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً } (سورة الأنعام:78ـ80)


أي: لست أبالي في هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله، فإنها لا تنفع شيئاً ولا تسمع ولا تعقل، بل هي مربوبة مسخرة كالكواكب ونحوها، أو مصنوعة منحوتة منجورة. والظاهر ان موعظته هذه في الكواكب لأهل حران، فإنهم كانوا يعبدونها، وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيراً، كما ذكره ابن إسحاق وغيره وهو مستند إلي أخبار إسرائيل لا يوثق بها، ولاسيما إذا خالفت الحق.


وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام، وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسرها عليهم، وأهانها وبين بطلانها،


كما :

{ وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ومأواكم النار وما لكم من ناصرين } (سورة العنكبوت:25)


وقال في سورة الأنبياء:

{ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذا البتماثيل التي أنتم لها عاكفون * قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين * قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين * قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين * قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين * وتالله لأكيدن أصنامكم بعد ان تولوا مدبرين * فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون * قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين * قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم * قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون * قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألأوهم إن كانوا ينطقون * فرجعوا إلي أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون * ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون * قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون * قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم * وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين } (سورة الأنبياء:51ـ70)




 


قديم 03-01-17, 04:01 AM   #23
مجرد إنسان

آخر زيارة »  03-07-18 (05:44 AM)
المكان »  المدينة المنورة
الهوايه »  الرسم - كتابة الخواطر

 الأوسمة و جوائز

افتراضي





تابع قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام



و في سورة الشعراء:

{ واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون * قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعوكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون * قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } (سورة الشعراء:69ـ82)


و في سورة الصافات:

{ وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم * إذ قال لأبيه ماذا تعبدون * أتفكاً آلهةً دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين * فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم * فتولوا عنه مدبرين * فراغ إلي آلهتهم فقال ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضرباً باليمين * فأقبلوا إليه يزفون * قال أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون * قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم * فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين } (سورة الصافات: 83ـ98)


يخبر تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام، إنه أنكر على قومه عبادة الأوثان وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها،

فقال:

{ ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } (سورة الأنبياء:52)


أي: معتكفون عندها وخاضعون لها،

قالوا:
{ وجدنا آباءنا لها عابدين } (سورة الأنبياء:53)


ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد، وما كانوا عليه من عبادة الأنداد.


{ قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين } (سورة الأنبياء: 54)


كما :

{ إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون * أتفكاً آلهة دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين } (سورة الصافات:85ـ87)


قال قتادة: فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره.

وقال لهم:

{ هل يسمعوكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } (سورة الشعراء:72ـ74)


سلموا له أنها لا تسمع داعياً ولا تنفع ولا تضر شيئاً، وإن الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهال،


ولهذا قال لهم:

{ أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } (سورة الشعراء:75ـ77)

وهذا برهان قاطع على بطلان إلهية ما ادعوه من الأصنام؛ لأنه تبرأ منها وتنقص بها، فلو كانت تضر لضرته، أو تؤثر لأثرت فيه.

{ قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين } (سورة الأنبياء:55)

يقولون: هذا الكلام الذي تقوله لنا وتنتقص به آلهتنا، وتطعن بسببه في آبائنا تقوله محقا جادا فيه أم لاعباً؟.


{ قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين } (سورة الأنبياء:56)


يعني: بل أقول لكم ذلك جادا محقا، إنما إلهكم اله الذي لا إله إلا هو، هو ربكم ورب كل شيء لا شريك له، فاطر السماوات والأرض، الخالق لهما على غير مثال سبق، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنا على ذلكم من الشاهدين.

وقوله:

{ وتالله لأكيدن أصنامكم بعد ان تولوا مدبرين } (سورة الأنبياء:57)


أقسم ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها بعد ان يولوا مدبرين إلي عيدهم.

قيل: إنه قال هذا خفية في نفسه. وقال ابن مسعود: سمعه بعضهم. وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام مرة إلي ظاهر البلد، فدعاء أبوه ليحضره فقال: إني سقيم:


كما :

{ فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم } (سورة الصافات:88ـ89)


عرض لهم في الكلام حتى توصل إلي مقصودة من إهانة أصنامهم ونصرة دين الله الحق وبطلان ما تهم عليه من عبادة الأصنام التي تستحق أن تكسر وأن تهان غاية الإهانة. فلما خرجوا إلي عيدهم، واستقر هو في بلدهم

{ فراغ إلي آلهتهم } (سورة الصافات:91)

أي: ذهب إليها مسرعاً مستخفياً، فوجدها في بهو عظيم، وقد وضعوا بين أيديها أنواعاً من الأطعمة قرباناً إليها، فقال لها على سبيل التهكم والازدراء

{ ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون * فرغ عليهم ضرباً باليمين } (سورة الصافات:91ـ93)

لأنها أقوى وأبطش وأسرع وأقهر، فكسرها بقدوم في يده،

كما :

{ فجعلهم جذاذاً } (سورة الأنبياء:58)

أي: حطاماً، كسرها كلها

{ إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون } (سورة الأنبياء:58)


قيل إنه وضع القدوم في يد الكبير، إشارة إلي أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار!. فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم


{ قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين } (سورة الأنبياء:59)


وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون، وهو مخا حل بآلهتهم التي كانوا يعبدونها، فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء، لكنهم قالوا ما جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة ضلالهم وخبالهم


{ من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين } (سورة الأنبياء:59)

{ قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } (سورة الأنبياء:60)

أي: يذكرها بالعيب والتنقص لها والازدراء بها، فهو المقيم عليها الكاسر لها. وعلى قول ابن مسعود:

أي يذكرهم بقوله:

{ وتالله لأكيدن أصنامكم بعد ان تولوا مدبرين } (سورة الأنبياء:57)

{ قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون } (سورة الأنبياء:61)

أي: في الملأ الأكبر على رءوس الأشهاد، لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه، ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه. وكان هذا أكبر مقاصد الخليل إبراهيم أن يجتمع الناس كلهم، فيقيم على جميع عباد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه،


كما قال موسى عليه السلام لفرعون:

{ موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى } (سورة طه:59)

فلما اجتمعوا وجاءوا به كما ذكروا (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا). قيل معناه: هو الحامل لي على تكسيرهم، وإنما عرض لهم في القول:


{ فاسألوهم إن كانوا ينطقون } (سورة الأنبياء:62ـ63)

وإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلي القول بأن هذه لا تنطق، فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات.

{ فرجعوا إلي أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون } (سورة الأنبياء:64)

أي: فعادوا على أنفسهم بالملامة، فقالوا: إنكم أنتم الظالمون، أي: في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها.

{ ثم نكسوا على رءوسهم } (سورة الأنبياء:65)

قال السدي: أي ثم رجعوا إلي الفتنة فعلى هذا يكون قوله:

{ إنكم أنتم الظالمون } (سورة الأنبياء:64)

أي: في عبادتها. وقال قتادة: أدركت القوم حيرة سوء، أي: فأطرقوا، ثم قالوا:

{ لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } (سورة الأنبياء:65)

أي: لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق فكيف تأمرنا بسؤالها!. فعند ذلك قال لهم الخليل:


{ أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون } (سورة الأنبياء:66ـ67)


كما قال:

{ فأقبلوا إليه يزفون } (سورة الصافات:94)

قال مجاهد: يسرعون، قال:

{ أتعبدون ما تنحتون } (سورة الصافات:95)


أي: كيف تعبدون أصناماً أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة، وتصورونها وتشكلونها كما تريدون

{ والله خلقكم وما تعملون } (سورة الصافات:96)


وسواء كانت: "ما" مصدرية أو بمعنى الذي، فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون، وهذه الأصنام مخلوقة، فكيف يتعبد مخلوق لمخلوق مثله؟ فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم وهذا باطل، فالآخر باطل للتحكم؛ إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له.


{ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم * فأرادوا به كيداً فجعلهم الأسفلين } (سورة الأنبياء:59)



 


قديم 03-01-17, 04:02 AM   #24
مجرد إنسان

آخر زيارة »  03-07-18 (05:44 AM)
المكان »  المدينة المنورة
الهوايه »  الرسم - كتابة الخواطر

 الأوسمة و جوائز

افتراضي






أخر قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام


عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا، ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلي استعمال قوتهم وسلطانهم، لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم، فكادهم الرب جل جلاله؛ وأعلى كلمته ودينه وبرهانه

كما :

{ قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني بارداً وسلاماً على إبراهيم * وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين } (سورة الأنبياء:68ـ70)


وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطباً من جميع ما يمكنهم من الأماكن، فمكثوا مدة يجمعون له؛ حتى أن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت أن تحمل حطباً لحريق إبراهيم، ثم عمدوا إلي حوية عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأطلقوا فيه النار فاضطرمت وأججت والتهبت، وعلا لها شرر لم ير مثله قط.

ثم وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة منجنيق صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له "هيزن"، وكان أول من صنع المجانيق، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلي يوم القيامة. ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد، ولك الملك لا شريك لك. فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيداً مكتوفاً، ثم ألقوه منه إلي النار، قال: حسبنا الله ونعيم الوكيل.


كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقى في النار، وقالها محمد ين قيل له:

{ إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء } (سورة آل عمران:173ـ174)


وقال أبو يعلى: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر الرازي، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما ألقى إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك"


وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا!.

ويروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنه قال: جعل ملك المطر يقول: متى أومر فأرسل المطر؟ فكان أمر الله أسرع.


{ قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم } (سورة الأنبياء:69)

قال علي بن أبي طالب: أي لا تضريه. وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال: (وسلاماً على إبراهيم) لآذى إبراهيم بردها. وقال كعب الأحبار: لم ينتفع أهل الأرض يومئذ بنار، ولم تحرق منه سوى وثاقه.


وقال الضحاك: يروى أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن وجهه ولم يصبه منها شيء غيره. وقال السدي: كان معه ملك الظل، وصار إبراهيم عليه السلام في ميل الحوية حوله النار وهو في روضة خضراء والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول إليه، ولا هو يخرج إليهم.


فعن أبي هريرة أنه قال: أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم، إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال، نعم الرب ربك يا إبراهيم!. وروى ابن عساكر عن عكرمة؛ أن أم إبراهيم نظرت إلي ابنها عليه السلام فنادته: يا بني إني أريد أن أجئ إليك، فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك، فقال: نعم، فأقبلت إليه لا يمسها شيء من حر النار، فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادتع. وعن المنهال بن عمرو أنه قال: أخبرت أن إبراهيم مكث هناك إما أربعين وإما خمسين يوماً وإنه قال: ما كنت أياماً وليالي أطيب عيشاً إذ كنت فيها، ووددت أن عيشي وحياتي كلها مثل إذ كنت فيها، صلوات الله وسلامه عليه.


فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فعلبوا.


وقال الله تعالى:


{ وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين } (سورة الأنبياء:70)

وفي الآية الأخرى:

{ الأسفلين } (سورة الصافات: 98)


ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم برداً ولا سلاماً، ولا يلقون فيها تحية ولا سلاماً،


بل هي كما :


{ إنها ساءت مستقراً ومقاماً } (سورة الفرقان:66)


قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، أو ابن سلام عنه، أنبأنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم شريك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وقال: "كان ينفخ على إبراهيم". ورواه مسلم من حديث ابن جريج، وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شبية به
وقال احمد: حدثنا محمد بن بكر، حديثا ابن جريج، أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي أمية، أن نافعاً مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم النار"، قال: فكانت عائشة تقتلهن. وقال احمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن نافع، أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رمح منصوب فقالت: ما هذا الرمح؟ فقالت: نقتل به الأوزاغ، ثم حدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن إبراهيم لما ألقى في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ، فإنه جعل ينفخها عليه"


تفرد به أحمد من هذين الوجهين. وقال احمد: حدثنا عفان، حدثنا جرير، حدثنا نافع، حدثتني سمامة مولاة الفاكه بن المغيرة؛ قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحاً موضوعاً، فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح؟ قالت: هذا لهذه الأوزاغ نقتلهن به، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا: "إن إبراهيم حين ألقى في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار عنه، غير الوزغ كان ينفخ عليه" فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله.

ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يونس بن محمد، عن جرير بن حازم به



 


موضوع مُغلق

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه للموضوع : قصص بعض الأنبياء والرسل عليهم السلام ...!!
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
معلومات عن الأنبياء آميرآلشوق مواضيع إسلاميه - فقه - أقوال ( نفحات ايمانيه ) •• 6 12-19-16 05:38 AM
فن الدمج بين التصوير والرسم شموخ عزي قسم الصور والرسوم العامه 6 03-15-15 07:12 PM
(أنواع المناكير والرسم على الاضافر ) (قيثار الحب) قسم الملابس والمستلزمات النسائيه ( حواء ) 15 09-30-14 03:51 PM
معاني أسماء الأنبياء والرسل M.ahmad مواضيع إسلاميه - فقه - أقوال ( نفحات ايمانيه ) •• 2 09-30-10 05:47 AM


| أصدقاء منتدى مسك الغلا |


الساعة الآن 02:57 AM.

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.1 al2la.com
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
new notificatio by 9adq_ala7sas
بدعم من : المرحبي . كوم | Developed by : Marhabi SeoV2
جميع الحقوق محفوظه لـ منتديات مسك الغلا