اجتمعت الناس إلى باب عثمان، فقرعوا عليه الباب، فخرج عثمان في ملأ من الناس. فقال: ما تشاؤون؟ قالوا: الزمان قد قحط، والسماء لا تمطر والأرض لا تُنْبِتُ، والناس في شدةٍ شديدة، وقد بلغنا أن عندك طعاماً. فبعنا حتى نتوسع على فقراء المسلمين. فقال عثمان: حباً وكرامةً، ادخلوا فاشتروا.
فدخل التجار. فإذا الطعام الموضوع في دار عثمان. فقال: يا معشر التجار، كم تربحونني على شرائي من الشام؟ قالوا: للعشرة اثنا عشر. قال عثمان: قد زادوني. قالوا: للعشرة خمسة عشر. قال عثمان: قد زادوني. قال التجار: يا أبا عمرو ما بقي بالمدينة تجار غيرنا فمن زادك؟ قال: زادني الله تبارك وتعالى بكل درهمٍ عشرة. أفعندكم زيادة؟ قالوا: اللهم لا.
قال: فإني أشهد الله أني قد جعلت هذا الطعام صدقةً على فقراء المسلمين.
قال ابن عباس: فرأيت في ليلتي رسول الله في المنام وهو على برذون أبلق عليه حُلةٌ من نور ،في رجليه نعلان من نور ،وبيده قصبة من نور وهو مستعجل
فقلت له : يا رسول الله قد اشتد شوقي إليك و إلى كلامك فأين تبادر ؟
قال: "يا ابن عباس إن عثمان قد تصدق بصدقة ، و ان الله قد قبلها منه و زوَّجه عروساً في الجنة و قد دُعينا الى عُرسه "
هذه العظمة العثمانية حتى تدلف إلى قلوبهم فتهزها هزّة الأريحية والعطف، وتوقظ فيها بواعث الرحمة والإحسان بالفقراء والمساكين، والأرامل واليتامى وذوي الحاجات من أهل الفاقة والبؤس الذين طحنَتْهُم أزمة الحياة، واعتَصَرَتْ دماءهم لذوى القلوب المتحجرة من الأثرياء؟
فما أحوج المسلمين في هذه المرحلة من حياتهم إلى نَفْحَةٍ عُثمانيةٍ في إنفاق الأموال على الفقراء والمساكين والمحتاجين تسري بينهم تعاطفاً ومؤاساةً وبِرّاً وإحساناً.
-برذونٍ أبلق : أي خيل متين لونه ابيضّ مختلط بلون ثانِ
الخلفاء الراشدين :
عثمان بن عفان ،شخصيته وعصره .
صـ٥١ـ