أبي أسم لا
يحتمل النسيان
يا من غادرت الحياة
ولم تغادر الروح
يا من سكنت التراب
بقيت في دمي نبضا لا يخبو..
هذا اليوم ليس كسائر الأيام
إنه يوم من علموا أن للأب ظلاً
لا يمتد إلا في قلوب أبنائه
وأن له صوتا لا يعلو إلا في ذاكرة الحنين.
لكنني...
أكتب!
وأنا التي
لم يعد لها أب يمشي على الأرض
بل أصبح الأب فكرة تراودني
في كل مناسبة وفرحة
ومصافحة
في ملامح عائلتي الموشومة بوجع رحيلك
خيالاً يسبقني إلى المرآة كل صباح.
تراكمت السنين على صدري كالصخور
حتى أوجعني الحنين
وجعاً لا يفنى
وأنا أنظر إلى كل من حولي
كلهم آباء
وكلهم ذاكرة مؤجلة لأبي....
أبي مدفون تحت التراب
نعم...
لكن تراب القبور لا يخفي ملامحمهم
التي صارت ملامحنا
ولا يطفيء نبرة اصواتهم الباقية في أذن الذاكرة الصماء
لقد صار همسي.
هو حي خلف أضلعي
ينبض مع كل شهيق وزفير
ويسكن خفقات قلبي كلما ضاقت بي الأرض...
فكيف لموت أن يمحو من كان الحياة نفسها؟
كيف لغياب أن ينسينا أن الأب ليس جسدا يغيب
بل معنى لا تدرك قيمته إلا بعد أن تفقده؟
أيها السائلون عن معنى اليتم
أن تشيب وأنت تبحث عن يد كانت تمسح دمع طفولتك
وأن تبلغ قمة العمر وأنت تنادي اسماً
لا يجيب إلا من جوف الذاكرة.
اليتم ليس فقدان الأب
بل هو أن تعيش العمر كله وأنت تحمل في عقلك
قبرا لا تراه العيون
تشتاق له الروح وتحن إليه في
كل سجدة وكل هدأة ليل.
يا أبي
هذا اليوم يهدى لمن نسي أن له أبا...
أما أنا
فلا حاجة إلى التذكير
فأنت في كالنبض
كالنسيم
والمطر
الذي لا يأتي إلا ليذكر الأرض بأنها كانت خضراء...
رحم الله أياما مضت
ورحم الله قلبا كان الوطن الأول
ورحم الله أباً سكن التراب
لكنه ما زال يسقي حياتي
ويروي جفاف ايامي
بعد أن أجدبت تفاصيلها
من ضحكات محياه الحانية
أبي هو الايام كلها ولو غابت ملامح وجهه الطيب عنها