وجعٌ لا
تترجمه الحروف
“هناك أوجاعٌ لا تُكتب… لأنها كلما حاولت أن تُولد على الورق، خذلتها الحروف. فبعض المشاعر أكبر من اللغة، وأعمق من أن تحتويها الأبجدية.”
ليس كل انكسارٍ يُرى…
فبعض الكسور تسكن الروح، تبتسم للناس، وتبكي في خلواتها، حتى يظن الجميع أنها بخير، وهي تخوض كل يومٍ معركةً لا يسمع صداها أحد.
أحتاج أبجدياتٍ جديدة…
فالأبجدية التي أعرفها لم تعد تتسع لحجم هذا الوجع.
وأحتاج آلاف النصوص، بكل شفافيةٍ وصدق، لتترجم مذاق الألم بعد طول الأمل؛ حين يصبح الانتظار عمرًا، ويغدو الصبر عباءةً يلبسها القلب حتى ينسى ملامحه.
أحتاج أنثى تشبهني…
كانت تنسج للفرح أثوابًا من ألوان الربيع، وتكتفي بأبسط الأشياء، وتؤمن أن قليلًا من الحب يكفي ليجعل الحياة أكثر اتساعًا.
ثم مرّت بها الحياة…
لا كما اشتهت، بل كما شاءت الأقدار.
فسرقت منها دهشة البدايات، وأطفأت في عينيها مواسم الضوء، حتى زهدت في كل شيء.
لم تعد تطلب الكثير…
ولا تنتظر المستحيل…
ولا تحلم إلا براحةٍ لا يعقبها وجع، وطمأنينةٍ لا يخطفها الغياب.
خسرت أشياءً كانت تظنها وطنًا…
وأشخاصًا كانت تراهم عمرًا…
وأيامًا كانت تؤمن أنها ستبقى إلى الأبد.
واليوم…
لا تبحث عن أحدٍ يعيد إليها ما مضى، بل تبحث عن نفسها…
عن تلك المرأة التي كانت تضحك بعفوية، وتصدق الوعود، وتؤمن أن الغد يحمل لها نافذةً من نور.
يقولون إن الزمن يداوي…
لكنهم لم يخبرونا أن بعض الجراح لا تشفى، بل تصبح جزءًا من ملامحنا، وأن بعض الخيبات تسكن القلب حتى يعتادها، دون أن يتجاوزها.
كبرت…
ولم أكبر على الألم، بل كبرت على الصمت.
وصرت أخفي انكساراتي بابتسامة، وأربّت على قلبي كلما خذلته الحياة، وأقول له: اصبر… فلعل الله يدخر لك عوضًا يليق بكل هذا الصبر.
ولم أعد أبحث عن الذين رحلوا…
بل أبحث عن المرأة التي كنتها قبل أن يعلمني الوجع كيف أبتسم وأنا أتألم، وكيف أبدو قويةً بينما تنهار روحي بصمت.
ولعل أقسى الخسارات…
أن يفقد الإنسان نفسه وهو يحاول أن يحافظ على الآخرين.
لكنني، رغم كل هذا،
ما زلت أؤمن…
أن الله لا يخذل قلبًا صبر،
ولا ينسى عينًا بكت،
ولا يترك روحًا تعبت إلا ويكتب لها يومًا يليق بكل ما احتملت.
فإن مررتم يومًا بامرأةٍ تبتسم كثيرًا…
فلا تحكموا على سعادتها من ملامحها،
فقد تكون خلف تلك الابتسامة…
ألفُ حكاية،
وألفُ وجع،
وألفُ حلمٍ مؤجل،
وقلبٌ ما زال ينتظر من الله جبرًا، ينسيه كل ما مضى.