الإعجاز الرباني في قيام الليل لجسم الإنسان
يقول الإمام الشافعي: العبادات مُعلَّلة بمصالح الخَلْق؛ أي: إن العباداتِ لو أُدِّيَت على النحو الذي أراده الله، لجَعَلَت من المؤمن شخصية سويَّة ذا أُفُقٍ واسعٍ ونَظَر ثاقب، ولجعلَتْه ذا أخلاق فاضلة، حادَّ البصر والبصيرة، مستنيرَ الذهن والقلب، أمَّا إذا حاد الإنسانُ عن مبادئ فِطْرته ولم يعبد الله عز وجل، وخرق حدودَ إنسانيتِه بالإثم والعدوان، اختل توازنُه الداخليُّ وأحسَّ بكآبةٍ مدمِّرة لصحَّته النفسيةِ، فهذا ما يسمَّى في الطبِّ النفسيِّ: التوتُّر النفسي الذي هو سبب رئيسٌ لكثير من الأمراض العضويَّة ذات الأسباب النفسية، فمنها سرعة ضربات القلب، واضطراب نظمه، وضيق الشرايين وارتفاع ضغط الدم ذو المنشأ العصبيِّ، وتقرُّحات الجهازِ الهضميِّ، وأمراض الحساسية، وأمراض الأعصاب والشلل العضوي ذو المنشأ النفسيِّ.
وحينما يعود الإنسان إلى الله تعالى ويتوب من ذنوبه، ويستقيم على أمر ربِّه، ويعمل الصالحات تقرُّبًا إليه، يشعر بأنه أُزيحَ عن صدره كابوس ضاغطٌ كأنَّه جبل، فيشعر المؤمنُ بمشاعرَ مِن السعادة لا تُوصَف، وأنَّ مشاعرَ الكآبة والضيق قد اختَفَت إلى غير رجعةٍ، وعندئذ يدرك من الطمأنينة والسعادة ما لو وزِّعَت على أهل بلد لأسعدتهم جميعًا.
ومِن هنا تتأثَّر أعضاءُ الجسم بهذه الصحة النفسيَّة تأثُّرًا إيجابيًّا، فتزول أكثرُ أعراضِ الأمراض العضويَّة ذات المنشأ النفسيِّ.
ولهذا ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (استقيموا ولن تُحصُوا)؛ أي: إن استقمتم فلن تُحصُوا الخيراتِ التي تَجنونها مِن استقامتكم.
ولا شك أنَّ العبادات - مِن صلاةٍ وصيامٍ وحجٍّ وزكاةٍ - عباداتٌ أمَرَنا اللهُ بها، وقد علَّلَها في القرآن الكريم تعليلًا عظيمًا؛ فقال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 103].
وقال تعالى: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45].
فمثلًا علماء التربية البدنية خطَّطوا لتمرينات معتدلة تناسب كلَّ الناس في كلِّ الأعمار وفي كلِّ الأوقاتِ، تمرينات تطابق حركات الصلاة تطابقًا تامًّا.
فهذه الصلاة أمَرَنا الله بها إضافةً إلى أنها تقَرِّبُنا إلى الله وتذكِّرُنا وتصلنا به، هي كذلك ذات فائدة لأجسامنا، فهذه الحركات من القيام والركوع والسجود، لها فوائدُ كثيرةٌ لجسم الإنسان، وها هي امرأة ذَهَبَت إلى بلد غربيٍّ لتعالَج مِن مَرَض، وهو آلام مستمرَّة في الرأس عند طبيبٍ غير مُسلم لا يعرف اللهَ عز وجل، فسأَلَها: من أين أنت؟ فقالت: من سوريا، قال: أتُصَلِّين؟ قالت: لا، فقال: صلِّي يذهب ما بكِ، فعجِبتْ، وبيَّن لها الطبيب أنَّ أحدَ أسباب آلام الرأس، هو ضَعفٌ في وصول الدم إلى الشرايين في الدماغ، وأنَّ السجود يوسع هذه الشرايين، ويجعل الدم يتدفَّق نحو الرأس، فعَجَبًا للمرأة دفعتْ آلاف الليرات ليقال لها: صلِّي.
إن لجوء أطباء الغرب والمسلمين للصلاة علاجًا، دليلٌ على تغيُّر بطيءٍ وهادئ تشهده مهنةُ الطبِّ؛ بأنْ تصف لمريضٍ وصفةً تنصحه فيها بأنْ يصلِّي، وأن يتصل بالله، وأن يتوب إلى الله.
لقد اكتشف هذا الطبيب العلاج الربانيَّ لا مِن باب التعبُّد، ولا من باب تطبيق منهجِ الله، بل من خلال التجارب على مدار السنين.
وأظهر استطلاع أُجري في اجتماع سنويٍّ ضمَّ أكثر من 250 طبيبًا - أنَّ 99% من الأطباء وجدوا فائدةً ملموسةً واضحة عند مرضاهم حينما يدعونهم إلى الصلاة.
وفي جامعة أخرى حَضَر أكثرُ من ألف شخص يعملون في مجال الصحة مؤتمرًا أكَّدوا فيه العلاقةَ بين الشفاء والصلاة، وأكَّدوا أنَّ المريض حينما يعود إلى الله، ويتصل به، يقوى جهاز مناعتِه.
الصلاة تُبرئ مِن ألم الفؤاد والمعدة والأمعاء وكثير مِن الآلام؛ ففيها فائدةٌ رُوحية واطمئنان قلبيٌّ وهدوء نفسيٌّ، كذلك توجد فيها صحة جسمية، وإذا ما أُقيمت على وجهها الصحيح، حصلت النجاة من أمراضٍ كثيرة، فالكوليسترول أو الشحم الذي يسبِّب ضيق الشرايين تقلُّ كميَّته بالرياضة البدنية المتواصلة، ولقد أحسن الله تعالى إلينا كثيرًا بأن فرض علينا خمسَ صلوات في اليوم والليلة؛ لأن في الصلاة تطهيرًا للنفس، وحفظًا للصحة، وسلامة الجسم.
ومِن هنا تتضح الحكمة البالغة من صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك؛ ذلك أنَّ الصائم يكونُ قد أَكَل وشرب، ولعله يزيد في كمية طعامه وشرابه عند تناول وجبة الإفطار، لذا كانت هذه النافلةُ في شهر رمضان مِن خير أنواع العلاج، لِما قد يَنجُم مِن خطر زيادة الدهون في الطعام، ومِن ثَمَّ فإنَّ الصلاة عمومًا تُعدُّ صمام أمان في حياة المؤمن الذي يؤدِّيها على الوجه الذي بيَّنَه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه حقيقة علمية سوف نبيِّنها إن شاء الله في فوائد قيام الليل وصلاة الفجر، وما يعود على الإنسان مِن استقرار نفسيٍّ ورُوحيٍّ وبدنيٍّ، نَعَم تُعدُّ صلاة المسلم في الدرجة الأولى التزامًا بأمر الله، كما أنها صلةُ العبد بربِّه، وسببُ رقيِّه في الدنيا والآخرة، وتجعله دائمًا في حالة نظافة وطهارة؛ لأنَّ مِن شروط صحةِ الصلاة طهارةَ المصلِّي من الحَدَث وطهارة بدنِه وثوبه ومكان صلاته مِن الخَبَث