حين يتحدث البطل عن الخلود
في زاوية من الزمن، حيث تتقاطع الأسطورة مع
الحلم، جلسنا إلى كلكامش، ملك أوروك، الذي
خلدته الألواح الطينية وخلد هو نفسه في ذاكرة
البشرية. كان جالسا على صخرة تطل على نهر
الفرات، يحدق في الأفق كمن يبحث عن إجابة لم
تكتب بعد.
سألته: "يا كلكامش، ما الذي دفعك إلى مغامرة
الخلود؟
أجاب بصوت عميق كصدى الزمن:
"حين رأيت صديقي أنكيدو يعود إلى التراب،
أدركت أنني، رغم قوتي، لست بمنأى عن الفناء
أردت أن أجد سرا ينجيني من المصير ذاته.
كنت أظن أن الخلود كنز ينتزع، لا حكمة تكتسب.
قلت: وهل وجدته؟
ابتسم كلكامش، وفي عينيه بريق حزن:
"وجدت أن الخلود ليس في الجسد، بل في الأثر.
حين تبني مدينة، حين تزرع شجرة، حين تكتب
قصيدة، فأنت تترك ظلك في ذاكرة الزمن.
هذا هو الخلود الحقيقي."
سألته عن أنكيدو، رفيق دربه، فقال:
كان مرآتي، علمني أن الإنسان لا يقاس بقوته، بل
بقدرته على الحب، على الحزن، على أن يكون
إنسانا. موته كان ولادتي الثانية.
سألته عن أوروك، مدينته التي بناها، فقال:
أوروك ليست حجارة فحسب، بل حكاية. كل
جدار فيها يروي قصة، وكل شارع فيها ينبض
بالحياة. من أراد أن يعرفني، فليقرأ سطورها.
وقبل أن ينهض، سألته عن رسالته للأجيال القادمة.
قال:
لا تهربوا من الموت، بل اصنعوا لحياتكم معنى
ابحثوا عن الحكمة، لا عن الخلود. فكل لحظة تعاش
بصدق، هي انتصار على الفناء.
في نهاية اللقاء، غاب كلكامش كما ظهر، تاركا
وراءه صدى كلماته يتردد في القلب والعقل.
لم يكن مجرد ملك، بل كان سؤالا مفتوحا عن
معنى أن نكون بشرا، وعن كيف نحيا رغم يقين
الموت.
يا إنسان، انظر إلى أوروك، إلى أسوارها، إلى
معابدها، إلى ما شيدته يداي… هناك يكمن
خلودي.