هات الورقة يا رفيق الظل..
ودعني أملي عليك الحكاية قبل أن يأكل المداد نفسه.
لا تقل إنها فكرة ولدت من عدم..
فأنا لم أختر أن أكون شاعرة هذا الجثمان.
هي حقيقة بدأت بتراب الأرض حين ناداني التراب باسمي...
وماتت بطينه حين أطبق على جفني.
بين الحياة والموت...
كنت ناجية تتأمل خسائرها الكثيرة التي وشمت وجهي...
وضحية تحاول أن تتذكر شكل المقاومة
قبل أن تفقد معناها كأمة غاب عنها اليقين.
تبا يا أنا..
يا رفيق الظل..
هذا ليس اعترافا...
الاعتراف للضعفاء الذين ما زالوا يرجون الغفران.
هذا إقرار.
إقرار بأن ابنة الطين ستعود إليه ذات يوم جثة.
يا مداد القلم الصامت...
ويا إلهام العقل المنهك..
سنعود له..
سنغيب فيه..
ثم نتلاشى.
لا خلود ولا صلابة.
نحن كالوهم الذي يأتي عندما نشعل الضوء فجأة
في غرفة باردة
يصفع صقيعها أجسادنا
ثم تأتي غربان القدر لتنهش أعيننا قبل أن تألف الدفء.
كنت أظن أني
طين لا ظل له
ندي..
يشكلني على هيئة امرأة قوية كأسلافها...
كم كنت جاهلة بمكر البقاء!
حين اعتقدت أن النسيان يبدأ بالتخلي.
لكن لكل ذكرى منقارا معقوفا
يحفر في عمق الوقت.
ولكل ندبة وشم أسود
ولكل عثرة في الطريق سهما عميقا
يستقر في جراحي الساكنة دون أن ينزف.
ها هي تحوم
أسراب من أصوات ماتت قبل أن تصل إلى الحنجرة.
ووجوه اشتقت لها
حتى ظننت أن الاشتياق هو شكل وجهي الأخير.
أسمع صرير أجنحتها يحك عظام جمجمتي
من الداخل.
أهي تحلق خلفي حقا..
أم أن رأسي صار عشا لها وأنا لا أدري؟
في كل مساء...
حين يمتزج الطين الذي أنا به مع ظلمة الأفق
تبدأ المأدبة.
أحلام تسرقها الحياة تارة..
وحقيقة تغرس أظفارها في سراب عابر لتحيله حطاما.
عين لا ترى..
وظلمة تغشى المكان..
وقمر تدثر بريش أسود يعلو الأفق كغراب عملاق
يبتلع النجوم واحدة تلو الأخرى.
هذا الجسد بكل ما كان..
أصبح جثة.
كذبوا حين قالوا إن الجثث لا تشعر.
هاهي كل دمعة سقطت من عيني و جفت..
صارت جرحا على معصم قلبي.
وهاهو كل شريان يحمل زفرة متعثرة..
ماتت قبل أن تلفظها الروح
فاستقرت فيه كشاهد على معركة خاسرة.
إنه نص ولد في العدم..
لكنه حالة حقيقية
سكنت هذه الجثة التي تقف خلف النص.
وستتركه..
وتغيب عنه..
ذات شجاعة يوما ما.
فإلى أن يعود الطين إلى أصله...
ويرحل الغراب..
سأبقى هنا..
ابنة الطين..
رفيقة الظل..
والجثة التي لم تتعلم بعد كيف تموت دون ضجيج.