الحقيقة ان العزلة ليست فكرة، هي حالة تحدث دون إذنّ
لا تحتاج تبريرًا و غالباً لا تأتي كخيار واضح كما نحب أن نوصفها
ما يبدو للناس هدوءًا من الخارج، قد لا يكون إلا توقف مؤقت عن التفاعل لأن
العقل لا يهدأ، فقط يقلّ ضجيجه الخارجي، بينما يشتعل من الداخل بصمتٍ
وهذا بحد ذاته أثقل من الكلام
وما نطلق عليه مواجهة الذات هو في الغالب إعادة تشغيل لكل ما لم يُحلّ
ليست مواجهة واعية كما يُقال، بل اصطدام متكرر بما تم تأجيله طويلًا مثل ما نقول تراكُمات
الداخل لا يصبح أهدأ مع الوقت، بل يصبح أكثر وضوحًا فقط، مثل الغبار حين يهبط لا يُخفي الأشياء
بل يكشفها بلا تنبيه مسبق و بلا رحمة
وكلما قلّ التفاعل من الخارج، زادت التفاصيل التي لم ننتبه لها من قبل، وكأن الذاكرة تستيقظ دفعة واحدة
لتطالب بما تجاهلناه طوال هذه المرحلة
وفي النهاية، العزلة لا تكشف للانسان نفسه فقط هي تُعيد تشكيله بالتدريج
تسحب منه ضوضاءه واحدةً تلو الأخرى وتعيد ترتيب أفكاره بطريقة لا تشبه ما كان عليه من قبل
هي لا تتركه كما هو، بل تُبدّله بصمت و تُبدّل نظرته، ردود فعله، وحتى طريقة نجاته من الحياة ودروسها
وفي لحظة ما يكتشف أنه لم يعد الشخص نفسه
ليس لأنه أراد التغيير بل لأن العزلة قامت بذلك بدلًا عنه وان العزلة قد تكون راحة وقد تكون اغتيال للنفس.