05-15-25, 07:12 AM
|
#2 |
| |
بعد أن دفن سالم أبوه فرحان، تغيّر كل شيء في حياته. صار في نظر الناس أكبر من عمره، نظراته صارت أهدأ، حديثه صار موزونًا، يختصر كثيرًا ويتأمّل كثيرًا.
كل ما دخل بيت الشعر، جلس عند مكان أبوه، لا أحد يقدر يضحك قدامه أو يمازحه كالسابق… كأنّه حمل تاريخ رجلٍ عاش مرتين، ومات مرّتين، مرّة في الغياب، ومرّة في القبر.
مرت شهور، وسالم قرر يزور خالته هديل، وأخته بثينة، يحمل لهم خبر أبوه. وصل بيت هديل، ووقف عند بابها، يوم شافته هديل قامت تبكي:
“جاك؟ فرحان رجع؟”
قال:
“رجع يا خاله، بس ما طول… رجع وقال: أبي بس أشوف وجيهكم، وأموت راضي.”
هديل جلست تبكي، وتضم سالم وتقول:
“هذا اللي كنت أحلم فيه، أبيه بس يرجع، ما يهمني كم يعيش، المهم يرجع.”
أما بثينة، يوم سمعت بخبره، طلعت من بيتها تمشي للبر، وجلست عند مكان كانوا فيه صغار، وهي تردّد بصوتٍ حزين:
“يمه… علميني كيف نودّع اللي كنا ننتظره سنين؟”
ورجعت بثينة بعد غياب طويل عن بيت أهلها، تجلس عند سالم وتسأله عن أدق التفاصيل، كيف كان يمشي، كيف كان يتنفس، كيف كان ينظر له، كيف ودّعك؟ وسالم يحكي لها وكأنّه يحفظ كل لحظة من عيون أبوه.
أما أبناء سالم، صاروا يعرفون سالفة جدّهم من صغرهم، وصار كل واحد منهم يفتخر إنهم “حفدة فرحان”، الرجل اللي وقف بوجه الغياب، وغلب الأسر، ورجع يشوفهم ثم راح.
وكان سالم دايم يردّد لأبنائه:
“جدّكم ما كان بطل بس لأنه رجع… كان بطل لأنه ما تغيّر، لأن قلبه بقى نقي، ووفائه ما هزه غياب ولا أسر…”
مرّت سبع سنين، وسالم صار شيخ معروف بالحكمة، وكل من جاه وجلس عنده، يقول:
“علمني عن فرحان.”
فجلس ذات ليلة، والناس حوله، وقال لهم:
“فرحان ما هو بس أبوي… فرحان هو درس في الوفا، هو رجال ضاع وما ضيّع، رجع عشان يقول: تذكّرتكم في كل نفس…”
ثم قال لهم:
⸻
قصيدة سالم في ذكرى مرور سبع سنين على وفاة أبوه فرحان:
سبعٍ مضت يا يبه من يوم غابك
وكل السنين اللي تمـرّك حضورك
ما غاب وجهك عن خيالي وعتابك
ولا نسيت الضحكة ولا صوت دورك
أنا كبرت وقلبي يردّد كتابك
وصيتك تسبق خطاي بعبورك
علّمتني إن الرجـال بغيابك
ما تبيع الودّ لو جار دهورك
وإن الغلا ما هو بكلمة بكتابك
الغلا صبرٍ… وذكرى ونورك
⸻
وانتهت قصة فرحان… لكنها ما انتهت فعلاً، لأن مثل هالرجال، ما تموت قصصهم، تبقى عبرة، وتبقى نبراس للي يعرف وش معنى الرجولة، الوفا، والحب اللي ما تكسره السنين.
قلم، يوسف
|
|
| |