بـ هدوءٍ ، و إشراقٍ خَفيٍّ تنقُل خُطاها نحو موطن الورد ،
حديقة يُولد من خيوطِ نورها الخيال
و تَستكين في أركانها لآلىءُ السِّحر .
تميلُ الأغصان و تحنو ، كأنَّها مُضيفةٌ وقورٌ تُرحِّب بـ الوافدِ بـ حفاوةٍ ،
و يتنفَّسُ الجُورِيُّ بـ عمقٍ ، كأنَّه يسكُبُ عِطرَه في المدَى
لـ يزدانَ التَّرحيبُ حُبًّا و ودًّا .
تسترسلُ في خُطاها حيث يقودُها فضولُ قلبِها ،
فـ هنا يُصبحُ لـ الأفكارِ صوتٌ و لـ القلب دربٌ .. و مع كلِّ وخدة قدمٍ يختلسُ السَّمعُ خيالًا مُوسيقيًّا يشدُّها نحو الغيبِ كـ إغواءٍ مغناطيسيٍّ عذبٍ .
تهادتْ نحوه بـ إحساسها قبل حركاتها ، مفتونةً بهذا اللَّحنِ الشَّجيِّ
مبالِغةً في خِفَّتِها .. رجاءً منها ألّا يتلاشى هذا الطَّيفُ الآسر
و شوقًا منها لـ بُلوغِ الرُّكن السريُّ لهذا الخيال .
دَنت من فناءِ شجرةٍ وارفةِ الظِّلالِ ، سامِقةِ الطُّولِ
فـ هطلت عليها بتلاتٌ جُوريَّةٌ من علياءِ السَّماءِ
تُحاكي ندفَ الثلجِ في خِفَّتِها و بياضِها ،
غيرَ أنَّها كانت عاطِرةً بالحب حد الضَّمخ .
تراجعتْ خطواتٍ للوراء حتَّى تتجلَّى أمام ناظِرها
اللَّوحة السِّحرية بـ تمامِها ..
لـ تكتشِف أنَّ الشجرةَ لم تكُن شجرة
و أنَّ البِتلاتِ لم تكُن نازلةً من غيمِ السماء !
إنَّها وردةُ جُورِيٍّ عملاقةٌ ؛
تنبثقُ منها أوراقُها الفَوَّاحةُ في كُلِّ اتجاه
و ما إن تطايرت و سقطت بتلة إلاّ و خلَفتها أخرى في حينِها ؛
إنّها وردةُ العِطرِ الأبديّ ..
بسطتْ ذِراعَيها و أخذتْ تَدورُ و هيَ تُجيلُ بصَرَها في الأرجاء ؛
تكاد من فرطِ ذُهولِها تنسَى أن ترمُشَ
تبتَسمُ و هي في جذوةِ دهشتِهَا مِمَّا ترى !
إلّا أنَّ يَقينًا نابِضًا في أعماقِها كان يَهمسُ لها :
إنَّ المشهدَ لم يَكتمِل بعد ..
إنَّ السِّحرَ الحَقيقيّ لا يزالُ مُحتجِبًا وراء الأستارِ .
دنتْ من جَديد لـ ترى أنَّ أشواكَ الجُورية
قد استُحيلت إلى زُجاجاتٍ عِطريَّة تَنفُثُ رذَاذًا سرمدِيًّا لا ينقطع .
كانت كل القوارير الزُّجاجية مُتماثلة ، الَّا واحدة فريدة تبوَّأت مركزَ الوردة ،
شُكِّلت على هَيئةِ جوهرةٍ بلَّوريةٍ بـ زُرقةٍ سماويةٍ صافيةٍ .
كان رذاذُ كل زُجاجةٍ عِطريَّةٍ يهطُلُ فوقَ صُندوقٍ خَشبيٍّ صقيل ،
و كانت كلّ تلك الصَّناديقِ مُشرعةَ الغِطاء و فارِغة .
إلَّا رَذاذ الجَوهرة البِلوريَّة الفريدَة فقد كانَ ينسكِبُ على صُندوقٍ آسر ،
قَواعِدهُ من جُذوعِ الشَّجر و غِطاؤُهُ مغزولٌ من أوراقٍ فِضَّية ،
و كان مُوصد الأقفال .
لم تكُن تُدركُ حينهَا ان هذا الصندوق الصَّامدُ يُخفي شيئًا يخُصُّها
و أنَّهُ بات مركومًا هناكَ من أجلِها وحدهَا .
سلَبَ لبَّها جمالُه ، و انتبهتْ أخيرًا أنَّ اللَّحنَ الشَّجيَّ الذي اقتفتْ أثرُهُ
منذ البدايةِ ينبعثُ من جوفِ هذا الصُّندوقِ بالذًّات .
انحنتْ أمامهُ ، و لم تلحَظ أيَّ مفتاحٍ في الأرجاء
و راحت تَغمِدُ جِفنيها لـ لحظاتٍ كأنَّما تُسجِّل تلكَ المُوسيقى في ذاكِرتها
و تُوصِدُ عنها بـ إحكامٍ لكي لا تنفلتَ منها .
و ما إن مرَّرتْ أنامِلها الحَانية على حوافِ الصُّندوقِ ..
حتَّى باغتها الصندوق و قدِ انفتَح .
فـ انبثقَ بريق من داخله ؛
كأن أسيرًا عانقَ الحُرِّية بعد قيدٍ
أو ضَالًّا اهتدى لـ منارتهِ أخيرًا !
قلمٌ و دفترٌ و مِحبرةٌ ..
تِلكَ هي
الأسرارُ الثلاثةُ الحُجُبِ .
قلمٌ نُحِتَ من غُصنِ زَهرٍ تُتوِّجُهُ ثلاثُ بتلاتٍ ورديَّة
دفترٌ ذهبيٌّ محفوفٌ بـ لآلِئَ فِضِّية
يتوسَّطُ غِلافهُ حرفٌ أبجديٌّ نُقِش في جسدِ آلةٍ مُوسيقيَّة
و أخيرًا ، تلكَ المِحبرةِ العبِقة .
ما إن احتضنت الدفتر بـ كفَّيها ، حتَّى خمدَ صَدى اللَّحن الشَّجي
و انفتحتِ الصَّفحاتِ على ذكرياتٍ عتيقَة و لحظاتٍ طَواهَا الزَّمان لا النِّسيان
و توالتِ الأوراق بـ الانطواء ، حتَّى استقرَّت عندَ صفحةٍ مخمليَّة
نُقِشَ في مَطلعِها بـ مِدادٍ من نُورٍ ، و كُتِبَت فيها سُطورٍ من عُطور :
" بـ هدوءٍ ، و إشراقٍ خَفيٍّ تنقُل خُطاها .. " - صفاء .