| |
| | #1 | ||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]()
| الفصل السادس: الشق بين الزجاج لم تكسر رند المرآة… لكنها أيضاً لم تتركها. كان في شيء بيشدها، بيمنع يدها من التحطم، وكأن الانعكاس بدأ يحكي بدون صوت. صورها القديمة كانت تتحرك ببطء، كأنها مشاهد من حلم نصفه مؤلم ونصفه مألوف. رند الطفلة مدت إيدها من الزجاج، همست: “لسّا بتخبّي تحت اللحاف؟” ورند اللي كانت تنكر وجعها قالت: “توقفي عن الكذب… إحنا تعبنا.” رند ما قدرت تتنفس. حست بجسمها خفيف، بس قلبها مثقل. فجأة… كل النسخ اختفت. بقي وجه واحد: وجهها الآن. بس فيه شخص وراها | ||||||||||||
|
| | #2 | ||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]()
| لم يكن خلفها إلا لابكوتٌ معلق. ارتخى صدرها كأن أحدهم أفرغ من رئتيها طنين الرعب، ثم تنبّهت: كانت تحبس أنفاسها كل هذا الوقت؟ ضحكت بصوت منخفض، ضحكة خفيفة لكن جافة، مثل صدأ ناعم على زجاج الروح. “لابكوت… بس.” قالتها كأنها بتأكد لنفسها إنها ما فقدت عقلها بعد. لكن الحقيقة إن عقلها نفسه ما كان راضي يهدأ، ولا حتى يقتنع بسهولة. يعني… كل شي صار قبل دقيقة؟ صوت بنت صغيرة من المراية؟ كلام عن وجع وتعب ونسخ منها بتتكلم؟ “يمكن… تعبت كتير، ولازم أنام.” رجعت خطوة لورا، عيونها لسه معلّقة بالمرآة كأنها بتستنا شي يتحرك من وراها. بس ولا شي تحرك. ولا شي غير لابكوت، بيتمايل بخفة كأنه تنفّس الصعداء هو كمان. ** رجعت عالسرير.، بس ما قدرت تغمض عيونها. شيء فيها ظل صاحي، بيهمس: “أنتِ شفتِ شي. وانتي بتعرفي.” ** اليوم اللي بعده ما كان مختلف تمامًا، بس فيه تفاصيل صغيرة بتعلن إنو مرحلة جديدة بلشت، من غير ما تصيح. لما دخلت الجامعة، الكل كان طبيعي. السكرتيرة بتضحك، والدكتور رامي بيسألها إذا حضرت المحاضرة الأخيرة، والدكتورة هالة بتعطيها نظرة سريعة وبتقول: “كويسة اليوم؟ شكلك تعبانة.” كل شي طبيعي. بس رند مش طبيعية. ** رند كانت شاردة. لما كانت تكتب ملاحظات، فجأة بتتذكر يد الطفلة اللي طلعت من المراية. لما كانت تاكل سندويشة، بتنسى تمضغ لأن في صوت داخلها بيعيد جملة: “لسّا بتخبّي تحت اللحاف؟” فيه شي لازم تعمله، فيه حكي لازم تسمعه، بس كيف؟ وليش؟ وليش من بين كل الناس، بتصير هاي الأشياء معها؟ “يمكن خلل نفسي، أو تعب. يمكن كل شي بسبب التعب.” لكنها كانت تعرف إنو مش بس هيك. ** في نهاية الدوام، كانت طالعة من المختبر، وشافت الدكتور ديفران واقف عند باب مكتبه، بيحكي مع طالب تاني. نظراته مرّت عليها للحظة. نظرة عادية، مهنية، باردة. بس قلبها ما صدّقها. الدكتور ديفران هو نفسه اللي صار معها كل القصة بسببه. هو الشخص اللي، بسبب الحادث، صار الكل يعتقد إنهم متزوجين. واللي غطّى على الموضوع بتواطؤ غريب من الكل. ** رجعت البيت وهي بتحاول ما تفكر. بس الساعة 8:14 مساءً، وهي بتقلب بالموبايل، إجا إشعار. رسالة جديدة من الرقم: “أنا”. نص الرسالة: “اللابكوت كان أول تلميح. الآن دورك. خلال ثلاث أيام، بتتذكري. بتنفذي الخطة. وإذا ترددتِ، بتبدأ الأبواب تُقفل.” ** رند قعدت، ظهرها استقام غصب. ثلاث أيام؟ خطة؟ أي خطة؟ من هذا “أنا” اللي بيحكي معها كأنه بيعرفها أكتر من حالها؟ وكيف بيحكي عن اللابكوت كأنه كان مقصود؟! ضغطت على اسم المرسل: “أنا”. حاولت تشوف تفاصيل الرقم. ولا شي واضح. ** قررت تتجاهل. بس عقلها ما ساعدها. مرّت الليلة الأولى من الثلاث. في الصبح، صحيت وهي بتدوّن شي غريب على دفتر صغير جنب التخت، كأنها كانت عم تحلم بشي. كتبت: “اللعب بالظل مش دايمًا لعبة. أوقات، هو بيسحبك، وبيعلمك.” شو يعني؟ ** اليوم كان عندها تدريب بالصيدلية الجامعية. وكان الدكتور ديفران المشرف. الجو مشحون بالصمت. المتدربين بيتصرفوا طبيعي، إلا رند، بتتصرّف وكأنها بمسرحية بتلعب دور بنت ما بتعرف شي. لكنه كان بيعرف. هو دايمًا بيعرف، وهي دايمًا بتتظاهر. ** بينما كانت ترتّب الرفوف، لمحَت ظلها عالزجاج، لكن الزجاج ما عكسها لحالها. فيه ظل تاني جنبها، أقرب منها، أطول، ساكت. التفتت… ما كان في حدا. ** تنهّدت. حكت بصوت منخفض: “شو يعني خطتنا؟ وشو بدكم مني؟” وهي ما كانت تعرف إنها فعليًا بدأت تنفذ الخطة من اللحظة اللي سألت. ** مرّت الليلة الثانية. وهي بتتفرج عفجأة على مرايتها، لقت كلمة مكتوبة عليها بخط خفيف، كأنها تنفّس بخار: “بلاش تخوني حالك.” مسحتها بسرعة، بس القلب ما بينمسح بسهولة. ** اليوم الثالث بدأ عادي، لكنه ما خلص عادي. أجت رسالة جديدة من “أنا”: “الخطوة الأولى: ارجعي لأول لحظة نسيتي فيها اسمك. مكانها: غرفة التحضير رقم ظ¤. زمنها: بين ظ£:ظ،ظ§ وظ£:ظ¢ظ¢ مساءً. إذا وصلتي، بتتذكري. إذا ما وصلتي، كل شي بينكسر.” ** رند ارتبكت. غرفة التحضير رقم ظ¤؟ هي أساسًا نادرًا ما تدخلها. وبالساعة هاي؟ كانت دايمًا تكون فاضية. بس فضولها كان أقوى من عقلها. ولأول مرة، ما حكت لأي حدا، لا صديقاتها، ولا حتى دفترها، عن القرار اللي أخدته: رح تروح. ** الساعة ظ£:ظ،ظ¥، كانت واقفة قدام باب غرفة التحضير رقم ظ¤. الباب نصه مفتوح. دخلت ببطء. الغرفة باردة، فيها رفوف زجاجية، وأدراج معدنية، وسكون غريب. ما في حدا. ** وبين الساعة ظ£:ظ،ظ§ وظ£:ظ¢ظ¢، وقف الزمن. رند تذكرت. تذكرت إنها مرّة دخلت هون، من سنين، كانت جديدة بالكلية. وكان في موقف غريب صار، لما الدكتور ديفران سألها عن اسمها، وهي نسيت. مش نسيان طبيعي… نسيت إنها رند. قالت وقتها بصوت مرتجف: “أنا… مش عارفة.” ** ومن هون بدأت “أنا”. بدأ الصوت اللي كل مرة يرجع إلها برسالة جديدة. بدأ الخوف. بدأ الانقسام. ** هلأ… فهمت الخطوة الأولى. بس السؤال: كم خطوة بعدها؟ وشو الهدف؟ وليش من الأساس بدأت اللعبة هاي؟ مين بيحركها؟ ومين بده منها تنفّذ خطة ما بتعرفها؟ ** كانت لحالها بالغرفة، بس ما كانت وحيدة. كان ظلها واقف معها. وكان اسمها رند… لكن صوت جواها بدأ يقول: “قراءه ممتعه محبتكم رند لا تنسوا تصلوا على النبي مش كل شي بتنسيه، بيموت. أوقات بينام… ولما يصحى، بيطلب يكمّل. . | ||||||||||||
|
| | #3 | ||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]()
|
[FONT="Franklin Gothic Medium"][COLOR="RoyalBlue"] الفصل السابع: بقايا الاسم كان ظلها واقف معها. وكان اسمها “رند”… لكن الصوت جواها بدأ يقول: “مش كل شي بتنسيه، بيموت. أوقات بينام… ولما يصحى، بيطلب يكمّل.” رند ما كانت ناسية. هي كانت عارفة إنها ما نسيت. هي بس خبّت. خبّت اسمها لما صار يتقلّب على لسان الناس، وصارت تحسّه غريب. خبّت وجعها لما وجعها صار “لازم تكملي، لازم تكوني قوية”. خبّت أسئلتها تحت الوسادة، وحطّت فوقهم ابتسامة ما إلها أصل. وكل شي مر فيها… كان بيحاول يقولها الحقيقة. المرايا، يلي انعكست فيها نسخ منها مش إلها. اللابكوت، يلي كان واقف مكان شخص وهي حسبته أحد. والرسائل، يلي كانت تطلع من “أنا”… وهي أساسًا ما كانت من غيرها. كلهم كانوا مفاتيح. بس لأي باب؟ ** الباب ما كان خارجي… ما كان مخفي بين الجدران، ولا مغلق في طابق مهجور، ولا في تقرير مخبّى بين الأوراق. الباب كان فيها. في نظرة عيونها لما تهرب منها بالمرآة. في صوتها لما تحاول ما تحكي عشان ما ينفضح ضعفها. في لحظة وقوفها قدّام شخص، تقول له “أنا مش خائفة” وهي عم ترجف من جوّا. ** “كلهم كانوا مفاتيح لباب واحد…” قالتها بصوت مسموع هالمرة، كأنها عم تعترف. “بابي.” ** الظلّ يلي كان معها، ما رجع، بس الإحساس فيه ما راح. ورند، لأول مرة، ما فتحت الباب بإيدها. فتح لحاله… لما صارت مستعدة تشوف شو في وراها ** [ ** ابتسم، بس ابتسامة ما كانت راحة… كانت معلومة. “أنا شخص كان المفروض يختفي من ذاكرتك، بس الظلال ما بتموت… هي بس بتغيّر شكلها.” رند رجعت خطوة، حست كأن المسافة بين قلبها وجسمها صارت أكبر، كأنها عم تحاول توصل لإشي جوّاها، مش قدامها. “شو قصدك؟ أنا ما بعرفك.” هزّ رأسه، وبنبرة ما فيها لا لوم ولا عتاب، قال: “كنتي تعرفيني، قبل ما تختاري تنسي. قبل ما يصير فيك كل هالشي… وقبل ما يصير ديفران.” اسم زوجها نزل مثل قطرة مي باردة على رقبتها، أربكها، رجف جوّاها إشي صغير. “شو دخل ديفران؟” مدّ إصبعه، أشار على صدرها: “انتي بتسألي دايمًا عن البداية، بس ما بتعرفي إنها كانت انتي. انتي اللي صنعتي القصة، وانتي اللي ضيعتيها. وأنا… أنا كنت البداية اللي دفنتيها.” عيونها لمعت، مش من الدموع… من ارتباك الحقيقة. “شو يعني؟” قرب خطوة، صار صوته أوضح، أنعم، لكن أثقل: “أنا كنت معك أول ما شفتِ المراية. أول ما سمعتِ الصوت. أول مرة سألك فيها الدكتور عن اسمك ونسيتي. انتي خفتِ مني… ودفنتيني جوا المرايا.” صمت. كأنه أعطاها فرصة تتذكر، أو يمكن أعطاها فرصة تهرب. بس رند ما هربت. لأول مرة، وقفت. “إذا كنت الحقيقة… خليني أواجهها.” ابتسم، وهالمرة كانت ابتسامته فيها حزن. “لا أنا الحقيقة… ولا انتي الكذبة. إحنا نصين لشيء واحد. بس واحد فينا لازم يكمل الطريق.” “وشو يعني؟” “يعني الخطة مش إني أرجع… الخطة إنك تتصالحي.” وقبل ما ترد، لفّ ظهره، ومشى. ومع كل خطوة، صار يختفي شوي شوي… أول إشي اختفى ظله. بعدين ملامحه. بعدين صوت خطواته. رند ضلّت واقفة، بس لأول مرة ما كانت خايفة. يمكن لأنه ما كان غريب. يمكن لأنها، للمرة الأولى، ما كانت تهرب من حالها. ⸻ COLOR][/FONT] | ||||||||||||
|
التعديل الأخير تم بواسطة Rand ; 04-18-25 الساعة 12:55 PM |
| | #4 | |||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ظلال الذكرى أنت
|
حكايه مختلفه وسرد عميق جدا لتفاصيل رند مع المرايا استمتعت بالقراءة هنا ابدعتي واكثر يعطيك العافيه | |||||||||||||
|
| | #5 | ||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]()
| رند ضلّت واقفة، بس لأول مرة ما كانت خايفة. يمكن لأنه ما كان غريب. يمكن لأنها، للمرة الأولى، ما كانت تهرب من حالها. رجعت للمراية. نفس المراية اللي بدأت منها كل الحكاية. بس هالمرة انعكاسها ما كان غريب. كان واضح… ومُرهق. انعكاس بنت شايفة كتير، وساكتة كتير. همست: “أنا اللي بدأت. وأنا اللي لازم أنهي.” ** اليوم اللي بعده، ما راح عادي. لأنها شافت ديفران. مش الخيال، مش الصوت، مش الظل… هو. بلحمه وملامحه اللي صارت مألوفة ومجهولة بنفس الوقت. كان واقف بزاوية الحرم الجامعي، بيحكي مع دكتور، شكله طبيعي، كأنه ما صار إشي. بس لما شافها، عيونه علقت فيها، كأن في بيناتهم حكي ما نقال، وحكي نقال بس ما تفهم. اقتربت منه. قالت بدون مقدمات: “إنت بتعرف عن المراية؟ عن الرسائل؟ عن ‘أنا’؟” نظر إلها، ما أنكر، ولا تهرّب. قال ببساطة: “وأنا… كمان كنت بستناكي تتذكري.” ** سكتت. كان في داخله طبقات من الأسرار، وهي بتعرف إنها ما رح تقدر توصلها كلها دفعة وحدة. “ليش أنا؟ ليش كل هذا؟” قالت وهي تحاول تفهم، مش بس تسمع. “لأنك انتي الوحيدة اللي قدرت تشوف. وقدرت تهرب. بس الهروب مش نهاية.” “يعني أنا اللي عملت كل هاد؟ لحالي؟” هزّ راسه: “مش لحالك. أنا كنت موجود… بس ما كنت ديفران وقتها.” “وشو كنت؟” “أنا كنت المرآة… قبل ما تصيري انتي الانعكاس.” ** هالكلمات خبطت بعقلها مثل نبضة كهربا بدماغ صاحي. “شو يعني؟” “يعني أنا كنت حقيقتك القديمة. الجزء اللي خبيتيه لما صار الحادث. لما اضطرينا نغطي على كل شي.” “و… وتزوجنا؟” ابتسم، بس كانت ابتسامة فيها وجع: “ما كان زواج، كان توقيع على هدنة مع الواقع. بس الحقيقة… ما بتهدأ.” ** رند سكتت. الزمن حواليهم صار أبطأ. أصوات الناس صارت بعيدة، كأنهم داخل عالم لحالهم. “والخطة؟ شو الخطة اللي بتحكولي عنها؟” قال: “إنك تتذكري كل شي. وتختاري: تكملي اللعبة… أو تنهيها.” “بس شو هي اللعبة؟!” “اللعبة هي الكذب اللي عايشة فيه… والزيف اللي حولك خلاكِ تصدقي إنه حقيقي.” ** رجعت خطوة، بس مش خوف. تفكير. نفس اللحظة اللي قررت فيها توقف عن الهرب. “وإذا اخترت أكمّل؟” قال: “رح توصلي لنقطة، يا بتتحرري… يا بتنكسري.” “وإذا اخترت أنهيها؟” “رح ترجعي تنامي جوّا المراية… وتنسي كل شي من أول وجديد.” ** رند ما ردّت فورًا. بس بعينيها… كانت الإجابة عم تنبني الفصل التالي: الظلّ الذي بقي بعد ما اختفى ديفران، أو الشخص اللي ادّعى إنه البداية، ضلّت رند واقفة قدّام المراية، بس هاي المرة ما كانت بتدور على انعكاس، ولا على وهم. كانت تدور على شي تقدر تمسكه، شيء ما يختفي لما تفتّح عيونها كتير. تنفّست ببطء، خطوة صغيرة للأمام، صوت قلبها صار أقل فوضى، كأنه عم يستعد يسمع، مش يهرب. ** في اليوم اللي بعده، رند كانت بالمختبر. بس شي جوّاها اتغيّر. المرايا اللي كانت تتجنبها، صارت تطّلع عليها. الظل اللي كان يخوّفها، صار تحاول تفهمه. كان فيه تدريب عملي، وكانت واقفة قبال رفوف المواد، وصدفة، لمحت انعكاسها على غطاء الستينلس تبع الطاولة. المراية الصغيرة هاي ما كانت غريبة، كانت عادية جداً. بس هاي العادية، كانت أول خطوة تصالح. ** بالليل، إجت رسالة من الرقم “أنا”: “خلصت الخطوة الأولى. الخطوة الثانية؟ هي مش خطوة… هي اختيار. بين إنك تكملي اللعبة، أو توقفيها للأبد.” رند حطت التلفون على الطاولة، ما ردّت. بس قلبها ردّ. كانت بدها تكمل، مش لأنها بتحب الغموض، بل لأنها تعبت من التجاهل. ** مرّت أيام، وكل يوم كان يحمل لحظة مواجهة صغيرة. مرة تذكرت وجهها الطفولي، مرة تذكرت كيف كانت تركض تحت المطر وهي تضحك، ومرة… تذكرت أول مرة شافت ديفران. مو بالحقيقة. بل بالحلم اللي ظلّ يرجع من أول يوم تدريب. ديفران ما كان غريب. هو اللي ساعدها لما وقعت قارورة مادة كيميائية خطيرة، واللي غطّى على الموقف قدّام الجميع، واللي من وقتها صار فيه حكي عن “زواج صامت”، وورقة غريبة اختفت من ملفها، ودفتر أحمر ضاع وما رجع. ** كانت تحاول تتذكر اللحظة اللي تغيّر فيها كل شي. تذكرتها لما راحت على السطح تبع الكلية. المكان الوحيد اللي بتحس فيه إن عقلها بياخد نفس. وهناك، لمّا طلعت على المدينة من فوق، لمعت فكرة ببالها: “يمكن أنا مش ضحية. يمكن أنا كنت شريكة باللي صار.” ** وبنصّ الليل، إجت رسالة: “الخطة قربت تكتمل. بس في ملف لازم تلاقيه.” نقطة. وسطر جديد. “الملف الأحمر. إذا لقيتيه… بتعرفي كل شي. وإذا ضاع للأبد… بنضل نعيش بنص القصة.” ** رند سكرت التلفون. عيونها راحت على الكرسي. اللابكوت كان مرمي عليه، متكوّم، وكأنه بينام هو كمان. بس شي فيها صحى. قامت، لبست اللابكوت. طلعت عالجامعة، حتى لو كانت الساعة نص الليل. هي بتعرف وين بدها تروح. غرفة التحضير رقم ظ¤. نفسها. ** دخلت الغرفة، فتّشت، قلبت الأدراج، ما كان فيه شي… لحد ما لمحت طيف أحمر تحت أحد الرفوف. سحبت الملف. كان مغبّر، وعليه حرف واحد مكتوب: “ر”. فتحته. وكانت أول ورقة… صورتها، مع توقيع ديفران تحتها، وملاحظة مكتوبة بخط إيده: “وافقت بإرادتها. التفاصيل محفوظة للذكرى فقط. ند ضلّت واقفة بمكانها، وبدل ما تلف وترجع، ضحكت. ضحكة صغيرة، مش سخرية… ضحكة إنسان فهم متأخر، بس فهم. راحت وقعدت على الكرسي القريب، حطّت راسها بين إيديها، وهمست: “طيب… إذا هو كان البداية، ليه ما خلّاني أتذكر من أول؟” ما كان في رد. بس شعور دافي بدأ يتسلل جواها، شعور مو غريب، شعور كان دايمًا موجود… بس هي ما كانت تعطيه إذن الحضور. هو مش “أنا” اللي بيبعت الرسائل… هو الصوت اللي بتسكر عليه لما بدها تكون “كويسة”، ولما كانت تكذب على حالها وتقول إنها بخير. يمكن تكون هالرحلة كلها مش لإكتشاف الحقيقة، بس لحتى تصدّق اللي كانت تعرفه من زمان. ** رجعت على بيتها، ما كانت محتاجة تحكي شي لأي حدا. ولا حتى لديفران. دخلت عليه وهو قاعد بزاوية الصالة، بيده كتاب، وموسيقى كلاسيكية بتعزف بهدوء، الجو كأنه لحظة بين الماضي والمستقبل. حكى من غير ما يرفع عيونه: “شفتيه؟” رند وقفت، ما تجاوبت بسرعة، وبعدين قالت: “كنت شايفاه من زمان… بس اليوم فقط، شفتني.” سكر الكتاب، ورفع نظره إلها، فيه نظرة غريبة، فيها ارتياح وفيها تسليم. “يعني بتعرفي شو الخطوة الجاية؟” “بتعرف… يمكن أول مرة بنسأل بعض هيك، من غير حذر.” ضحك بخفة، وحكى: “كل شي صار بينّا، من البداية، كان مليان حذر.” “حتى الزواج؟” “خصوصًا الزواج.” ** اقتربت وجلست جنبه، للمرة الأولى مش بيناتهم مسافة جليد. “أنا مش عارفة إذا كنت بحبك… ولا بكرهك… بس بعرف إني تعبت من التظاهر.” “وأنا تعبت من سجن اسمه واجب.” سكتت. وبعدين سألته: “ليش ساعدتني أتذكر؟” ردّ عليها وهو بيطالع ملامحها: “لأنه أنا كمان كنت لازم أتذكر.” ** سكتوا. بس السكون هالمرة ما كان خانق. كان فيه احتمالات. كل شي صار بينهم—الحادث، الزواج، الصمت، الشك—كان سلسلة طويلة من محاولات الهروب. لكن كل المرايات رجّعتهم لنفس الشي: الذوات اللي كانوا يحاولوا ينسوها… بس كانت تنتظر المصالحة. ** في اليوم اللي بعده، كتبت رند بمذكرتها: “ما في مرايا بتكذب، ولا ظل بيكذب، إحنا اللي بنختار شو نشوف. ويمكن… آن الأوان أفتح عيوني.” تحت السطر، رسمت سهم صغير، وكتبت تحته: ''الخطوة التالية… تبدأ من هون.” الفصل التالي: مرايا بلا إطار رند ضلّت واقفة بنفس المكان اللي اختفى فيه ظل ديفران، ولسا صوت كلماته بيرن بأذنيها. “انتي اللي صنعتي القصة… وانتي اللي ضيعتيها.” ما كانت بتعرف إذا لازم تبكي، تضحك، أو تسأل نفسها: يعني كل هالعذاب… منّي؟ لكن ما في وقت للدموع. ما في وقت حتى للشك. رجعت لغرفتها، سكّرت الباب، وقعدت عالأرض، ضهرها للمراية. حاسّة إن انعكاسها صار شخص تاني، مش دايمًا ضدها… بس مش معها تمامًا. سحبت دفترها القديم—اللي ما كانت تجرؤ تفتحه من شهور. فتحت الصفحة الأولى، لقت كلمة وحده بخطّ صغير: “أنا؟” رجفت أصابعها. في لحظة غريبة، شعرت إن كل شي لازم يرجع للبداية فعلاً. بس شو هي البداية؟ أول حادث؟ أول صرخة؟ أول مرة قالت: “أنا بخير” وهي مش بخير؟ ** رجعت الرسائل. هالمرة ما كانت على الموبايل. كانت على المراية. نفس خطّ البخار، لكن أوضح، كأن المراية صارت بتتنفس كلمات. “باقي خطوتين. الأولى: افتحي الخزنة اللي نسيتي إنها موجودة. الثانية: اسألي ديفران عن مكان الصورة.” رند شهقت. أي خزنة؟ وأي صورة؟ و… تسأله؟ كيف وهي بتتجنّب عيونه من شهور، كأنها مراية هي كمان؟ ** في الليل، وهي بتقلب بين رفوف الخزانة القديمة، لمحت غطاء خشبي صغير خلف الكتب. سحبته… خزنة! أصابعها ارتجفت وهي بتحاول تفتحه. ما في مفتاح، بس في رمز رقمي. تذكرت الساعة اللي كانت تيجي فيها الرسائل: ظ¨:ظ،ظ¤ جربت… الخزنة فتحت. بداخلها ظرف بني. سحبته ببطء، وفتحتو. فيه صورة… رند، وديفران، ولابكوت متّسخ بالدم. ** الصورة قديمة، وممزقة من أحد الأطراف. بس كانت بتشهد على لحظة رند نسيتها… أو بالأحرى، محتها. ورقة صغيرة كانت ملزوقة ورا الصورة. بس فيها جملة بخط يدها هي: “إذا نسيتِ، ديفران يذكّر.” ** رند سحبت نفس عميق، وقررت: لازم تواجهه. لبست شالها، وطلعت من الغرفة. الجامعة تقريبًا فاضية، بس بتعرف مكانه. المختبر القديم. دايمًا بيرجع يشتغل فيه لحاله، يقول إنه بيحب العزلة. ** وقفت قدام الباب. دقّت. “ادخلي.” صوته كان هادي، ومجرّد. دخلت. كان واقف عند طاولة، يكتب ملاحظات. “ديفران… في شي بدي أسألك عنه.” ما رفع راسو، بس قال: “بعرف. جاية تحكي عن الصورة، صح؟” رند شهقت. “كيف… كيف عرفت؟” ابتسم ابتسامة فيها شي بين الوجع والفهم. “انتي اللي نسيتي، مش أنا.” ** “شو صار؟ شو هاي الصورة؟ وليه مكتوب فيها إنك بتتذكر؟” وقف، نظر إلها مباشرة. “لأنك كنتِ راح تنكري كل شي. كل شي صار بسبب القرار اللي خذتيه بهاديك الليلة… الليلة اللي صارت فيها الحادثة.” “أي حادثة؟” “الحادثة اللي خلّت الكل يصدق إننا متزوجين.” ** رند حسّت الأرض بتدوخ فيها. “بس إحنا ما كنا…؟” هز راسو. “كنا. لكن مش بالطريقة اللي الناس بتتخيلها.” ** تقدم خطوتين. “رند، انتي وقعتي، نزفتي، فقدتي وعيك… ولما صحيتي، كنتِ مرعوبة. كنتِ بدك تمحي كل شي صار.” “شو صار؟” “صار إنك طلبت مني أقول للكل إننا متزوجين… علشان ما يسألوا، ما يفتشوا، وما يكتشفوا إنك كنتِ بالمختبر لحالك، بتفتحي ملفات مش مسموح تفتحيها.” ** “ملفات؟” “عن نفسك. عن أهلك. عن شي أكبر بكتير من الصيدلة.” ** رند رجعت لورا، لسانها معقود، قلبها بيخبط بصدرها كأنه بدّه يهرب منها. “ليش؟ ليش كنت أعمل هيك؟” “لأنك كنتي بتدوّري عالإجابة… والإجابة كانت بواحد اسمه ديفران، وانعكاس اسمه بمراية قديمة.” ** رند همست: “إيش يعني انعكاس اسمه؟” ديفران ابتسم، واقترب منها، وهمس: “يعني أنا… كنت نصّك الآخر. ولما خنتِ حالك، خنتيني. | ||||||||||||
|
التعديل الأخير تم بواسطة Rand ; 05-18-25 الساعة 12:10 AM |
| | #6 | ||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]()
| الفصل: “اللي ما بينقال” رند حسّت حنجرتها ناشفة، وكأن كل كلمة حكتها من أول الرواية كانت مجرد تمهيد لهاللحظة. “نصّي الآخر؟ شو يعني؟” ديفران ما جاوب مباشرة. لف وجهه عنها، كأنو بيختار كلماته، أو يمكن بيحاول يهرب من الجواب. “يعني… أنا كنت الشي اللي حاولتي تصيريه، بس خفتي. كنت النُسخة اللي حلمتي فيها لما قلتي إنك بدك تبدأي من أول وجديد.” “بس انت شخص حقيقي…” ابتسم، بس كانت ابتسامة مش كاملة. نصّ ابتسامة، زيّه. “يمكن، ويمكن لا. يمكن أكون الحارس، يمكن أكون المفتاح. بس الشي الوحيد اللي متأكد منه… إني جزء من ذاكرتك اللي ما غابت، انخبت.” ** رند رجعت خطوتين، وعيونها بتدور بالغرفة، كأنها تدور على شي يثبت إنها لساتها بعالم طبيعي، مو بجنّة ولا بكابوس. “شو اللي صار بالمختبر؟ قولّي الحقيقة، كلها.” ديفران زفر، بصوت تقيل. “انتي كنتي تشتغلي على ملف اسمو: مشروع نِسْيَان. كان مشروع سري، من أبحاث الجامعة، يتعامل مع الذاكرة والهوية. انتي ما كنتِ بس طالبة… كنتِ متطوعة. أول تجربة كانت على حالك.” ** “تجربة شو؟!” “كيف الدماغ يتعامل مع الذكريات المؤلمة، وكيف ممكن يمحيها… أو يعيد ترتيبها. انتي وافقتِ… وبلحظة ضعف، محيتي أكتر مما كان لازم.” ** رند شهقت: “يعني… أنا اخترت أنسى؟!” “آه. بس اللي نسيتيه مش الوجع، نسيتي إنك انوجعتي.” ** سكتت. هالسكوت كان أعلى من أي صرخة. صوت نفسها، خطواتها، وعيون ديفران كانت تشهد على انكسار داخلي… بس لأول مرة، الانكسار ما كان ضعف. كان بداية. ** “والمرايا؟” همست. هزّ راسه. “المرايا كانت جهاز التفعيل. كل ما وقفتي قدامها، كانت ترجعلك ذكرى صغيرة… بس عقلك، اللي تعب، اختار يتجاهلها.” ** رند حطت إيدها على قلبها. “والرقم… الرقم اللي كان يرسللي مسجات من (أنا)؟” ديفران قرب، قال بهدوء: “هو إنتي. أو بالأحرى… انتي لما كنتي لسه صادقة مع حالك. ضميرك القديم، الصادق، اللي اندفن بالمرايا.” ** عيون رند دمعت، بس ما بكَت. “شو أعمل هسا؟” ديفران مسك إيدها. أول مرة يلمسها من وقت “الزواج”. كانت لمسته مش حب… كانت نوع من الاعتراف. “تتصالحي. تفتحي المراية الكبيرة. تشوفي حالك، كلها. وتختاري: ترجعي تكوني (أنا)… أو تكملي تمثّلي إنك بخير.” ** رند هزّت راسها. “تعبت. بس مستعدة.” ** مشت. دخلت الغرفة القديمة، فيها مراية منسية، مغبرة، كبيرة، بدون إطار. مجرد لوح زجاج واقف كأنه باب. وقفت قدامه. قلبها بدق بسرعة، بس عيونها ثابتة. المراية انعكست… بس ما كانت انعكاسها العادي. كانت بنت بتشبهها، بس بعيون أقوى. بعيون بتتذكّر كل شي. ** البنت بالمراية حكت أول: “أهلاً… رند اللي بَدَّك تصيريها، مش اللي نسيتيها.” ** رند همست: “أنا جاهزة.” المراية تشققت. بس ما انكسرت. اختفت البنت، وضلّ انعكاسها الحقيقي، وجهها، بتفاصيله. ** ومن هداك اليوم، ما عاد في مسجات من (أنا). لأن (أنا)… صارت هي صلوا على رسول الله | ||||||||||||
|
| إضافة رد |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
| |
![]() | أصدقاء منتدى مسك الغلا | | |||||