إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-04-19, 08:18 AM   #1
عطاء دائم

المكان »  في دروب النسيان
الهوايه »  القراءة بشكل عام وكتابة بعض الخواطر

 الأوسمة و جوائز

افتراضي { وليالٍ عشر } ..



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الليلة الأولى

كانَ الصّالحونَ يستَحوُن من الله أن يكون يومهم مثلَ أمسِهم !
وأن تُرفع الأعمالُ في طي الغيوبِ بلا زيادة ..
تراهم يتفقَّدون أيامهم .. فيضعونَ فيها و لو مِثقالَ شَعيرة حَبٍ ؛ ليرجَحَ ميزانُ اليوم عن ميزانِ الأَمس !

رُبّما تبدو الحبّة في نظرك خفيفةً ..
لكنَّ النّهار بها أصبحَ مختلِفاَ ؛ ولو قليلاًَ !

فكيفَ كان حالٌهم إذن مع زمنٍ ؛ هو من أحبٌّ الأزمان إلى الله ؟

لقد كان الحياءُ في نفوسِهم يشتَدّ أن يلقوا الله بصحيفةٍ ؛ تُشابه في ملامِحها صحيفةَ العام الذي مضى .. أو تُقاربه ..
إذ للقربِ خطواتٍ ؛ لا يجوز أنْ تَتكرّر !

فتراهم في مواسم القربِ مشغولين بحفظِ الجوارح ف( إنّ من حفظ جوارحه، حفظ الله عليه قلبه) ..
ولا هم لهم إلا القرآن يقيناً بأنه (‏"ما جعل عبدٌ القرآن هَمّه، إلا كفاه الله ما أهَمّه."

فتذكـَّر أيها المشتاق للدِّيـار المقدسة ...
لئن سارَ الرَّكب الى جبلِ المَغفرة والرحمة .. فقد جعل الله لنا نحن أيضاً سَـيراً !

قال ابن رجب الحنبلي :
( هذه أيـّامٌ جعلها الله مشتركة بين السّائرين والقاعدين ، فمَن اغتنمها في بيتِه ؛ كان أفضل ممن خرج للجهاد من بيته ) !

لذا كان سعيدُ بن جبير رحمه الله تعالى .. إذا دخلت العشر من ذي الحجة اجتهد اجتهاداً ؛ حتى ما يَقدِرُ عليه أحد ..
وكان يقول :
( لا تُطفئوا سُـّرَجكم فيها ) !

أشعلوا السُّرج في لياليكم ..
عسى أنْ تشعلَ لكم أنوارَكم على الصّراط !

واجتهدوا ..
فَلرُبّ قاعدٍ خيرٌ من ألفِ ساعٍ ..
والله من بعد ؛ يعلم صـِدقَ النّيات وخَفَيّ الَّدمَعات !


د.كــِفاح أبو هَنّـود


 


رد مع اقتباس
قديم 08-04-19, 08:19 AM   #2
عطاء دائم

المكان »  في دروب النسيان
الهوايه »  القراءة بشكل عام وكتابة بعض الخواطر

 الأوسمة و جوائز

افتراضي { وليالٍ عشر } ..



{ وليالٍ عشر } ..

الليلة الثانية..

حين تتّجهُ الى الكعبةِ تلتقي عيناكَ بِقدَمِ ابراهيم هادئةً في المقام ..
ضاربةً جُذورها في عُمقِ التّاريخ ،، تقتربُ منها ،، تحاولُ ان تَفهَمَ خَبايا أسرارِها !
تراها صامدةً كلحظتِها يوم تَقَدَّمَت نحوَ النّار دون تَلَكُّؤ ؛ فقد كانت قدمَ صِدق .!
كانت الجِهات في حسّ القومِ كُلّها منهارةً الا ابراهيم .. فقد كان يُردّد { أني وجّهتُ وجهيَ للذي فَطَرَ السّماوات و الارضَ حنيفاً } ..
كانت المسافاتُ للغاية الجليلة يومَها طويلة ،، فانطَلَقَ ابراهيمُ وحدهُ خارجاً من حُدوده كي يبلُغ الحُلم !
من العراق الى فلسطين ؛ حتى يبلُغ الكعبة ... هل تَعني لك هذه الخارطة شيئاً ..!
هل تمتلكُ هذه الرّحلة سِرّاً أو رمزاً أو رسالةً لك أيّها المسلم .؟
ماذا كان يحمِلُ هذا المُهاجرُ في حَقيبةِ سَفَرِه ،، في سرِّ صدره ،، في خُطاهُ المرسومة بحكمةِ الأقدار !!
و في كلّ حِواراتِه مع الشمس و القمر و النّجوم ؛ فقد كان ابراهيمُ لا يُتقِنُ النّظر الا الى النّجوم !
كان قلبُه هناك حيثُ العرش .. و كان كثيرَ التأوّه و الدّعاء ؛ اذ كان يوقنُ
أن الرّياح التي تأتيكَ بعد الدّعاء لا تَدعك حيث ُوجَدَتكَ !
كان في تِرحاله يَنزِفُ كثيراً كي يَمنحنا الكثير ..
كلّ رِحلاته كانت غارقةً في التّضحية ..
كانت قدمهُ تَسعى من فلسطينَ الى مكّةَ كي تودع الصغير للصحراء ..
مع كلّ خطوة كان ابراهيمُ يقترِبُ من مَقام الخَليل ..
كلّما تقدّمتّ يا ابراهيم الى مكّة كان الدّرب يفرغ .. فَوحدَكَ انت الزُّحامُ .. و وحدَكَ انت بكلِّ الأنام .!
كلّ خُطوة كانت تعدِل أمةً .. كلّ خطوة كانت ترفَعُكَ الى حيثُ البيت المعمور في السماء السابعة !
مَن غَيرَكَ يا ابراهيمُ يُطيقُ ان يودع طفلهُ للمجهول ..!
طفلُ السّنوات التي أجدَبَت دون صوتٍ تشتاقُه فِطرَتُك العميقة !
طفلُ السّنوات التي اشتَهَت ضمّةَ الصّغير و احدّودّبّ الظّهرُ دونها !
يحمِلهُ دون ان يَتعثّرَ .. فَقَدَمُ ابراهيمُ لا يليقُ بها الا الثّبات ؛ لذا ظلَّ الّنور يمضي حيث تمضي يا ابراهيم !
كانت لِخطوَتِه على الرّمل المُنساح في الصّحراء دويٍّ في السّماء ؛ فقد كانت تُمهّد الطّريق بين القبلتين !
يا ابراهيم .. عيدُ أمّة بأكملها سيبدأ من خُطوَتِكَ تلك نحوَ مكة !
لقد سطَّرتَ بِقَدَمِكَ ميلادَ فِكرةٍ فحُقَّ لِقدمك ان ترتاحَ في ظلّ البيتِ أبداً ..
وحُقَّ لك ان يجعل الله لك { لسانَ صِدقٍ في الآخرين } يَقتدى بك .. فبقيتَ حيّاً يا أبراهيم و قد مات القومُ و جَفّوا .!
يالِرَهبةِ الأقدار .. يُولدُ الصّغير من عطشِ الشّوق اليه .. ثم يُحمل الى عَطَشِ الصّحراء .. فيبكي شوقاُ لِقطرة الحياة .. فتنهمِرُ زمزَمَ فوّارة أبد الدّهر .. و يُبنى البيت ؛ ليُعلّمنا اللهُ انّك إن صَدَقتَ فَستَختَبِئُ لك المُعجزات في الأسباب المُستحيلة !


{ ليالٍ عشر } .. هي مدرسةُ إبراهيم فتأمّل !


د. كفاح أبو هنود


 

رد مع اقتباس
قديم 08-05-19, 08:20 AM   #3
عطاء دائم

المكان »  في دروب النسيان
الهوايه »  القراءة بشكل عام وكتابة بعض الخواطر

 الأوسمة و جوائز

افتراضي الليلة الثالثة ..



{ وليالٍ عشر } ..

الليلة الثالثة ..

أسألُ رمالَ مكّة عن آلامِ خُطى هاجرَ و هي تتماسك كي لا تلحق بإبراهيم !
يقولون يا هاجر .. إنَّ إحساسَ المرأة بالحزن و الألم يَعدِلُ ثمانيةَ أضعاف إحساس الرجل .!
فكيفَ صَمتَ الوجعُ فيكِ و إبراهيمُ يرحلُ عنكِ و عن الرّضيع !؟
لا شيء يُخيف هاجرَ في هذه الصّحراء مثلَ مَغيبِ الشّمس في هذا المكان ..
هَرعَت إليه .. يا إبراهيمُ كيف تجمعُ عَلينا غِيابان .. غيابكَ أنت و غياب الشّمس .؟
هل نَذرتَنا للفَناء ؟! صدّقني لا شيء يوحي بغيرِ ذلك ..
آاللهُ َأمرَكَ بذلك يا إبراهيم .. فأجابَ نعم !
كان اللهُ في عَليائِه يَشهدُ تِلكَ اللّحظة ..
لحظة اختيارٍ بين خطوتَين .. نَحو ابراهيم أو نحوَ الله ..
لحظة سُجّلت لِهاجرَ في تاريخ الكون ، و بها اعتَلَت المرأةُ مكان الشّمس ..
تسامَت على ضَعفِها حتى كأنَّها أُسطورةُ من خيال التاريخ !
أيُّ دينٍ هذا الذي يوقِظُ النِّساءَ كي يَصّعَدنَ من السَّفحِ ؛ الى حيثُ تُقيمُ النُّسور !
كي يُصبحنَ أيقونةَ الفِداء ،، كي يملأَنَ الصُّخورَ المتشقِّقة من الجَفافِ بماءٍ لا ينقَطِع ..
كانت الدُّروبُ الصّامتةَ تَسمع وَقعَ أقدام ابراهيم مثقلة بالرحيل { ربّي إنّي أسكنتُ من ذُريتي بوادٍ غيرِ ذي زَرع } ..
كم مرةٍ تهدَّجَ صوتُك أو تقطَّعَ أو تحشّرَجَ يا خليلَ الله بين الكلماتِ .!
مشهدٌ تئنُّ لهُ السّماواتُ و لا تئنُّ له جارية في مُقتبل العُمر !
كان الرّعب في إنتظار العَتمَة الآتية و في بُكاءِ طفلٍ يُحرّكُ سُكونَ الصّحراء فتُلقي بأثقالِها في وجهِ الجارية ..
تنحني هاجرُ لتبدو أمامها الحقيقة عاريةً لا شيء الا صُراخ الرّضيع ،،
تتشبّث باليقينِ ( أنَّ اللهَ لن يُضيّعَنا ) ! تَشُدّ اليَدَ الغارقة في عَرَقِ الخوفِ على حبلِ الثّقةِ بالله ؛ مثلِ لِبؤةٍ مَفزوعة تَهرعُ بين الجَبَليَن ،،
ثمَّةَ ما يستَحِقُّ الحَّياة .. ثَمَّةَ ما يستحِقُّ السَّعي .. ثَمَّةَ حِكمة وراءَ كلِّ هذا الهَول .!
كانت الأنفاسُ المُتلاحقة في هَروَلةٍ تَستبيحُ الصَّدرَ المُضطَّرب بالخوفِ المُشتَعِل ..
الوِحدة و الوَحشة .. و موتٌ يفتَرِسُ الطِّفلَ .. و رَملٌ ينتَثِرُ في عَينَيها كأنَّهُ اللَّهَيب .. و لا إبراهيمُ يُؤنِس الطَّريق !
هل بَكَت ،، لم تُسجِّل ذاكرةَ الصَّحراء الا ارتفاعاً في اليَقين ..
هل كَتمَت صرخَتها .. لم تَشهد السَّماءُ الا صمتَ المُوقِنين ..
هل شَكَت ،، لا .. اذ عَلَّمَها إبراهيمُ أنَّ النّورَ لا يَعبُر الا بعد اكتمالِ اللَّيل !
كانت زمزم تنتظرُ ضَربَةَ قَدَم الصَّغير .. و كانَ لا بُدَّ من اكتمالِ مَشهَد التَّضحية و تقديمِ كلِّ القَرَابين !
تسعى الحَجيجُ اليوم على الخُطى الجَليلة .. على خُطى جاريةٍ كَتَبَت من خوفِها انتصار إرادةِ اللهِ عَبرَ امرَأة !
" هاجَرُ " لكِ من اسمِك أوفر النَّصيب في هِجرَةٍ تَمَّت للهِ وَحدَهُ ..


أيا سَيِّدَةَ المَعاني الكبيرة ..
[ مِنكِ تَستَلهِمُ المُرابطاتُ اليومَ في حَرَمِ الأقصى حكايَةَ النَّصرِ القَريب ] !


د . كفاح أبوهنود


 

رد مع اقتباس
قديم 08-05-19, 09:59 PM   #4
عطاء دائم

المكان »  في دروب النسيان
الهوايه »  القراءة بشكل عام وكتابة بعض الخواطر

 الأوسمة و جوائز

افتراضي { وليالٍ عشر } ..



{ وليالٍ عشر } ..

الليلة الرابعة

{ وإذ يرفعُ إبراهيم القواعدَ مِن البيت }
كم هوَ عُمرك يا إبراهيم .؟
هِجراتٌ ثلاث .. و سنواتٌ ممتلِئَة بالتّضحيات .. و بناءِ بيت للهٍ .. و مشاهدَ لا تُحصى من مواقفِ الثَّبات !
بهذا تُقاسُ الأعمارُ يا سيّدي .. بِعُمقها و ليس بِطولها .!
تسكنُ قاماتَ النّخيل العراقيُّ في عُمرك .. و تتجذَّر أفعالك كأنَّها جُذور شجرة زيتونة مقدسيّة.. و يتسع عمرك كأنه صحراء الجزيرة التي بنيتَ للهِ فيها بيتاً ليس لهُ مثيل !
ما أطولَ عُمرك يا سيّدي .. فَرُبَّ عُمر اتّسعت آمادهُ ، و كثُرت أمدادهُ ، و أمطرت غيماته الى قيام الساعة ..
رَفَعتَ بيتاً لله فَرَفَعَ اللهُ لك ذِكّرَكَ و رفَعَ مَقامك ؛ فلم يَلقاكَ مُحّمدٌ -عليه السَّلام -الا في السّماء السّابعة مُسنِداً ظَهرَك إلى البيتِ المَعمور .. و وَحدكَ دُون الخلائِقِ امتلَكتَ هذا الشَّرف الجَليل ..
مِن عُمرك انبَثَقَت يَقَظةُ الإنسان يا سيّدي ..فأنتَ مَن نَزع الحُجُب عن العَقلِ ، و أثارَ كلّ تِلك التَّساؤلات ، و علَّمَنا كيف يكونُ الإيمان مبصِراً و واعياً !
كانت آمالُكَ كُلَّ مساء تَتَبخّر الى السماء .. تجمَعُها لك إرادةُ الله ، و تكتُب لك بها مواعيدك مع غيثٍ سترتوي منه البشريّة .!
كم هي المسافةُ بيننا و بينك !
كما هي المسافة بين أصواتِنا و صوتك إذ تُؤذّن {في النّاس بالحج} ؛ فتخلو الآفاق الا من صَدَى كلِماتِك !
كم هي المسافة بين أعمارِنا و عُمرك الذي يزدَحِمُ بالأحداثِ و يسهر كلَّ ليلةٍ على الأمنياتِ الجليلة حتى استحقَّ أن يُسطِّره اللهُ على صَفَحاتِ القُرآن !
كم كان عُمرك يوم كنتَ ترفَعُ القواعدَ من البيتَ بِيدكَ التي أورقَت بناءً شامخاً لم تُغيّره الدُّهور !
لم يكن ابراهيم يشيخُ .. ولم يكن لديه وقت للنّهاياتَ الذابلة؛ فقد كان يعيشُ بقلبٍ يَستمّد زَيتَه من نورِ السّماوات و الأرض !
كان ابراهيمُ موطناً لـ { رحمةَ الله و بركاته عليكُم أهلَ البيت } ..
كان إبراهيمُ يخلَع من خُطوته كًلَّ التَّوافِه و يُبقي قَدمه على العَتَبات الثَّقيلة !
وكان وحدَه من يستحقّ أن يُقال له ( مَرَّ وهذا الأَثَر ) .!
يا إبراهيم .. على قدرِ نِيّتك اتَّسَعت لك الأرض فأَنتَ حاضرٌ اليومَ في صلاةِ الأمّة و في مناسِكِها و في كُلّ لحظةِ التقاء بالبيتِ العَتيق !
لِخيرِ هذه الأمّة و خيرنا أنتَ رَحلت . و اعتَلَيتَ الصَّخرَ و بَنَيت .. و كَتمتَ الدَّمعَ و مَضَيت .. و غادَرتَ العٍراق و ما جَزِعتَ !
و تركتَ للهِ جارية و طفلاً و ما انحَنَيتَ !
لِخيرِنا تطاوَلَت كَفّكُ حتى اغتالَت كلّ أوثانِ الضّلال .. و رَسَمَت لنا بعدَها ميلادَ أمّةَ الهِلال ..!
و لِخيرنا لم تنكسرَ نِصفين أمام هولِ النّار !
لِخيرنا لم تتمزّق أمام جَفاف الخَريف .. و كنتَ كبيراً في حُزنك و في سُؤلِك و في انتظارِ الرَّبيع!
و لِخيرِنا يا موطِنَ الخَليل .. يا بَقيَّةَ الخَليل .. ابقَوا على الرِّباط .. أبقَوا على الطّريق !

د. كفاح أبو هنود


 

رد مع اقتباس
قديم 08-07-19, 08:26 AM   #5
عطاء دائم

المكان »  في دروب النسيان
الهوايه »  القراءة بشكل عام وكتابة بعض الخواطر

 الأوسمة و جوائز

افتراضي وليالٍ عشر } ..



وليالٍ عشر } ..


الليلة الخامسة


{ ربّنا إنّي أسكنتُ من ذُريتي بِوادٍ غَير ذي زَرعٍ عِندَ بَيتِكَ المُحرّم
ربّنا لِيقيموا الصلّاة } ..
كانَ السّاكنُ ولداً واحداً .. و كانَ الدُّعاء لِيقيموا " بواو " الجَماعة ؛ فكيفَ يتَّسِق ذلك ؟!
كيفَ يَصِحّ أن يودِع إبراهيمُ طِفلاً ثُمَّ يَنوي بِه فِعلَ الجماعة ؟!
الحقيقةُ أَّنهُ لم يَكن لإبراهيم ساحِلَ في ُطموحه .. إذ رأى في الرّضيع فِعلَ أمّة !
{ لِيقيموا الصلّاة } .. تُرى هل كانت تُؤرِقُكَ إقامةُ الصّلاة يا إبراهيم
في هذا الفراغ الهائل من الصّحراء الصامتة .! بِمن سيُقيمُ إسماعيلُ الصّلاةَ .! و على أيِّ قِبلةٍ سيتّجه ؟!
كان إبراهيمُ في دُعائِه يَنسَكبُ أنهاراً من الفَهم .. كان يُخبّىءُ مكنونَ أُمنية أن يصطَفي اللهُ إسماعيلَ لِبناءِ البَيت !
و يُحّيي به مَواتَ الحَياة ؛ فتولدُ بِميلادِه خَيرَ أُمّة ..
ما أبدعَ القُرآن إذ تصطَفُ الحَقائق فيه لِتُنهي عصراً كانت الأُمنياتُ فيه ضَئيلة !
إنّهُ يقولُ لك .. ما أوهنَ الذُّريّة وما أسرع ذُبولها يومَ تكونُ { زينَةُ الحَياة الدُّنيا } .. و للزّينة مَواسم ؛ و المواسمُ لا تَدوم !
هاهو يَقلِبُ التّاريخ و يصنع زمناً فيه معنى { إنّي نَذَرتُ لَكَ ما في بَطني مُحرراً } و مُهمّة جَليلة { ليُقيموا الصّلاة } ..
و مَقاماً في الحَياةِ رَفيعاً { وإذ يرفعُ إبراهيمُ القَواعدَ مِن البَيتِ وإسماعيلُ } !
{ وإذ يرفعُ } بِيَدٍ تَختَزِنُ دُعاء الأبِ الصّالح ، و تتّسع لِقدرٍ إختاره اللهُ لهُ .. " وبياءِ " المُضارع حتّى كأنَّ الفِعلَ لا زالَ حيّاً ..
سُبحان الله .. أيّ حياةٍ هذه التي لا تَموت ..!
حتّى كأنَّ دُعاءَ إبراهيم { رَبِّ اجعلني مُقيمَ الصّلاة و من ذُريتي } .. حَفرَ في مَسامِعِ السّماء .. فَلَم يَبقى الا أن تَنهمرُ لهُ السّماء إجابةً و عَطاء !
من يَقدِرُ أن يَنوي في الطِّفل غَير فَرح نَفسه ؟!
من يَقدِرُ ذلك يَجمع اللهُ له في الطّفل مَدائنَ الأَفراح !
مالِحة هي النِيّات إن لَم تَكُن للغاياتِ الجَليلة .. نَتَجرّعها و لا نكادُ نُسيغُها .!
و ربّما نَقطِفها مَثل عُمرِ الوَردِ القَصير !
ربّما لم يَلمس إبراهيم يَدَ الصّغير و لم يُناغِيها .. لكنَّ اللهَ خَبَّأها لهُ ساعداً شَديداً ؛ ترفعُ مَعَهُ أَعمِدةَ البَيت ..
و يا للمُفارقةِ في التَّعبيرِ القُرآنيّ .. اذ يَصِفُ اللهُ سَريرةَ إبراهيم في إسماعيل بِقولهِ { ليقيموا الصّلاة } و في الإقامةِ مَعنى رفع البنيانِ حتّى يكتمل !
ثُمَّ يَصفُ فِعلَ إسماعيل إذ كبر بِقوله { يرفعُ } {القَواعدَ} فَيظلُّ بِذلك { عندَ رَبِّهِ مَرضيّاً } ..
لَكَأنَّ إبراهيمُ أرادَ من رَبّه طِفلاً لِكلّ العُصور و كلّ الدّهور .. طفلاً يَكبرُ فَتكبُرُ مَعَهُ سَنابلُ القَّمحِ و يعرِفُ كيفَ يَنشُر العَبير !
يا إبراهيم .. في سَريرتِكَ كُنتَ تصّنعُ لَنا إيقاعاً جَديداً لا نَعرِفُ عزفَه .. و كنتَ تُعلّمنا أنّ البُطولةَ أن تتفَردَ في إيقاعِك !
قيلَ يوماً ( عُلوّ في الحَياةِ و عُلوّ في المَمَات ) .. وانا أقولُ إنَّ عُلوَّ النِّياتِ يَنفي عن صاحِبِها المَمَات !
ألَا تَسمعُ صَوت زَمزم كَيفَ ظَلُّ يفور.!
ألَا تَرى البَيتَ و هُوَ يَكّتَظُّ بِالحَجيج !
أَلا تُبصِرُ نَسلَ إسماعيل يَنساحُونَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميق !


مَن أرادَ صَهيلَ الخُلود في الملإ الأعلى ؛ فَليَعتلي خَيلَ { كانَ أُمَّةً } .


د.كفاح أبو هنود


 

رد مع اقتباس
قديم 08-07-19, 02:40 PM   #6
ملهم

المكان »  في ملاذ يصعب علي ان اجده..!
الهوايه »  لم يعد هنالك ما يلفت الانتباه او يهم..

 الأوسمة و جوائز

افتراضي



فَلرُبّ قاعدٍ خيرٌ من ألفِ ساعٍ ..
والله من بعد ؛ يعلم صـِدقَ النّيات وخَفَيّ الَّدمَعات !

___
احسن الله اليك..


 

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة



| أصدقاء منتدى مسك الغلا |


الساعة الآن 12:51 AM.

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.1 al2la.com
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
new notificatio by 9adq_ala7sas
بدعم من : المرحبي . كوم | Developed by : Marhabi SeoV2
جميع الحقوق محفوظه لـ منتديات مسك الغلا

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64